معضلة الخير والشرّ… وبأيّ إله نؤمن؟

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
حين يسأل شاب أو شابّة: إذا كان الله صالحًا، فلماذا كل هذا الشرّ؟ فهو لا يمارس رفاهية فلسفية. هو يقف أمام مشهد يشبه ما وصفه إيلي ڤيسيل (يهوديّ ناجٍ من المحرقة) في أوشڤيتس. يروي ڤيسيل لحظة شنق ثلاثة أشخاص، ويكتب: «سمعتُ خلفي رجلًا يتساءل: أين ﷲ إذًا؟ فسمعتُ داخلي صوتًا يجيبه: أين هو؟ ها هو معلّق على المشنقة». هذه العبارة لم تعد وصفًا أدبيًا كارثيًّا بل صارت سؤالًا لاهوتيًا مدوّيًا. من هنا سأل يوهان بابتست متس ويورجن مولتمان عالِما اللاهوت الألمانيّان: كيف يمكن للاهوت أن يتكلّم بعد أوشڤيتس؟

مولتمان، في كتابه «الإله المصلوب» (١٩٧٢)، كتب بوضوحٍ صادم:
«يبدو اللاهوت بعد أوشڤيتس مستحيلًا… غير أنّه لن يوجد لاهوت بعد أوشڤيتس مليئًا بالمرارة والتمرّد لو لم يكن يوجد لاهوتٌ في أوشڤيتس ذاتها. لا يجب أن ننسى أنّنا صلّينا هناك في أوشڤيتس صلاة “اسمع يا إسرائيل” و”أبانا الذي في السماوات”». ثمّ يضيف، تعليقًا على شهادة ڤيسيل: «أيّ إجابة أخرى كانت ستصبح تجديفًا… الحديث عن إلهٍ غير قادر أن يتألّم يجعل من اﷲ شيطانًا».

هنا نقترب من جوهر المسألة. مشكلة الشرّ ليست لغزًا نظريًّا يمكن حلّه بمعادلة. هي امتحان لصورة الله التي نحملها. فإذا كان الله بعيدًا عن الألم، غير معنيّ به، غير متأثّر به، فالإيمان يتحوّل إلى قسوة ميتافيزيقية. يصبح الله مراقبًا باردًا فوق المأساة. عندئذٍ، إلحاد الشباب ليس تمردًا أعمى، بل رفض لصورة إله لا يمكن قبوله أخلاقيًا.

إلّا أنّ الإيمان المسيحي لا يقدّم إلهًا فوق الألم ولكنّه يقدّم إلهًا يدخل فيه. فالصليب ليس تبريرًا للشرّ، بل إعلان تضامن. والقيامة لا تنكر المأساة فهي وعدٌ بأنّ الشرّ لا يملك الكلمة الأخيرة.

لهذا لم يعد السؤال فقط: أين الله؟ بل: بأيّ إله نؤمن؟
الإله الذي لا يتألّم لا يصلح رجاءً للضحايا. أمّا الإله الذي يتألّم، فلا يفسِّر الشرّ تفسيرًا عقلانيًا كاملاً، ولكنّه يحمله من الداخل. وهنا يرتبط سؤال الشرّ بحرّية الإنسان. فالعالَم الذي يسمح بالحبّ، يسمح أيضًا بإمكانية الرفض. وهكذا، الله لم يخلق آلاتٍ مبرمجة على الخير، خلق الله كائناتٍ حرّة. فالحرّية هي التي تجعل الشرّ ممكنًا… لكنها وحدها تجعل الخير حقيقيًّا. لا يعني هذا أن الله أراد الشرّ.

بل يعني أنّه أراد عالمًا يمكن أن يوجد فيه حبّ، لا مسرحًا بلا مخاطرة.

إذا أردنا أن نجيب الشباب، فلا نقدّم لهم إلهًا يبرّر المشنقة، ولا لاهوتًا يجمّل المأساة بعباراتٍ محفوظة «انت هتلحد؟ » أو «ربنا بيجربك... صليبك وتشيله»
ولكن نقدّم إيمانًا مصغيًا، يقف متسائلًا ويعترف بالجرح، ويقاوم الشرّ، ويؤمن أنّ الله ليس خارج المعاناة بل في قلبها.

ربما بدل أن نقول: «العيال بتلحد»،

نسأل: هل الصورة التي نقدّمها عن الله قادرة على الوقوف أمام أوشڤيتس؟ أم أنّها تسقط عند أوّل مشنقة؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ