القمص يوحنا نصيف
    التوبة هي رفيقة حياة الإنسان المسيحي، ترافقه طوال مسيرة غربته في هذا العالم، منذ دفنه في جرن المعموديّة وقيامته في حياة جديدة، حتّى انطلاقه من سجن الجسد إلى أفراح السماء.. وهي في جوهرها حالة يقظة وانتباه وسَهَر.. يقظة في الجهاد، وانتباه لمخاطر الطريق، وسهر على الهدف وعلى ثياب العُرس وعلى نقاوة القلب.

    ولكن أحيانًا تضعف روح التوبة في حياة أبناء الله، لأسباب عديدة.. هي في مُجمَلها انشغال النفس بأمور العالم عن خلاص نفسها.

    لذلك تهتمّ الكنيسة أن تضع لنا مواسِم ثابتة للأصوام، وعلى فترات متقارب، فيها تتيقّظ النفوس وتنتبه لمنفعتها الحقيقيّة ومُستقبلها الأبدي.

    في مسيرتنا الروحية نحتاج باستمرار أن تكون توبتنا حيّة.. وباختصار، التوبة الحيّة نعيش فيها بالمواظبة على وقفة الصلاة.. سواء في المخدع بمزامير الأجبية، أو في القداس الإلهي والصلوات الكنسيّة.. وبدون الصلاة تموت التوبة فينا.. لأنه بدون النعمة التي تتدفّق علينا في الصلاة نصير عاجزين عن تنفيذ وصايا يسوع، وضعفاء أمام الخطايا التي تحاربنا!

    الحقيقة أن فترة الصوم هي فرصة جميلة لاستعادة حيوية التوبة.. والتي نفقدها أحيانًا بالإهمال والتراخي، وأحيانًا أخرى بالإنشغال في ملاهي العالم وهمومه.

    فموسم الصوم الكبير هو تمرين قوي على الانضباط، كما أن الصوم يكون مصحوبًا بالصلوات المنسحقة مع الميطانيات، وبحضور القدّاسات المتأخرة والتناول من الأسرار الإلهية.. وكلها ممارسات روحيّة نتزوّد فيها بنعمة وفيرة تُدَعِّم توبتنا وتقوِّيها.

    ولعلنا نلاحظ دائمًا أننا عندما نهمل في هذه الممارسات تذبل توبتنا، ويتراكم الزوان في حياتنا.. ونحتاج لمجهود أكبر في استعادة حيوية التوبة في داخلنا مرّة أخرى.. من أجل هذا فترتيب الكنيسة الرائع بشحن موسم الصوم بكلّ هذا الكمّ من الغذاء الروحي من صلوات وميطانيات وقدّاسات وألحان وقراءات.. هو فرصة ثمينة لتجديد التوبة وإحيائها في القلوب من جديد!

    التوبة الحيّة تنمو وتعطي ثمرًا.. مثل الشجرة الحيّة المغروسة على مجاري المياه، التي تنمو وتكبر، وتعطي الأثمار في حينها.. هكذا فإن فترة الصوم بما فيها من غذاء روحي دَسِم نشبع ونرتوي به، تساعدنا على أن ننمو في توبتنا ونصنع أثمارًا تليق بالتوبة.. محبة فرح سلام، طول أناة لطف، صلاح إيمان، وداعة تعفف (غل5).. وكما أن ظهور الثمار على الشجرة هي علامة أكيدة على أنّ الشجرة حيّة، هكذا فإنّ ظهور ثمار الروح في حياتنا دليل واضح على عمل النعمة الإلهية المستمرّ في داخلنا، وعلى أن توبتنا حيّة ونامية.

    الصوم الكبير هو أفضل أوقات السنة لإحياء التوبة في قلوبنا، ولتستمرّ حيّة طول العمر!
القمص يوحنا نصيف