قلق الأقليات يتصاعد مع ترتيبات أمنية غامضة وذاكرة نزوح لم تندمل
محرر الأقباط متحدون
يتصاعد القلق داخل الأوساط المسيحية في شمال شرق سوريا، متجاوزًا حدود “الخوف المزمن” ليطرح سؤالًا وجوديًا ملحًّا:
هل تقود الترتيبات الأمنية والسياسية الجديدة إلى تثبيت الاستقرار المنشود، أم أنها تُمهّد لفراغ أمني يعيد فتح الباب أمام عودة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ويُسرّع وتيرة الهجرة التي أفرغت بلدات وقرى بأكملها من سكانها الأصليين؟
في مدينتي الحسكة والقامشلي، تبدو الحياة اليومية معلّقة بين هدنة هشة ومخاوف من مرحلة انتقالية غير مضمونة العواقب. لا يقتصر القلق على تبدّل خرائط السيطرة، بل يمتد إلى ما قد يترتب عليه من ارتباك أمني يطال الشوارع والمؤسسات والخدمات الأساسية، وهو ما يدفع كثيرين إلى التعامل مع كل تطور أمني باعتباره إنذارًا مبكرًا لما هو أخطر.
السجون ومخيم الهول… عقدة المرحلة القادمة
بحسب تقارير متطابقة نشرتها Catholic World Report ووكالات دولية بينها رويترز وأسوشيتد برس، تبرز قضية السجون والمخيمات المرتبطة بعناصر وعائلات تنظيم داعش، وعلى رأسها مخيم الهول، بوصفها العقدة الأكثر حساسية في المشهد الحالي.
أي خلل في إدارة هذه الملفات أو تأمينها لا يُنظر إليه كحدث عابر، بل كبيئة مثالية لإعادة إنتاج التطرف، وتهديد مباشر للأقليات الدينية التي دفعت أثمانًا باهظة خلال سنوات الصراع.
الضغط الإنساني… محرك صامت للهجرة
في الخلفية، تتكثف الدعوات الدولية إلى منع أي فراغ أمني وضمان استمرار جهود مكافحة الإرهاب، غير أن البعد الإنساني يفرض نفسه بقوة على الأرض.
اضطراب خطوط الإمداد، تعقّد وصول المساعدات، وتراجع الخدمات الأساسية، تحوّلت إلى عوامل طاردة للسكان لا تقل تأثيرًا عن صوت السلاح.
وبالنسبة للعائلات المسيحية، لا يُعد الانهيار البطيء للخدمات أزمة اقتصادية فحسب، بل رسالة قاسية مفادها أن البقاء بات أكثر كلفة من الرحيل.
الكنيسة بين خطاب السلام وواقعية الخوف
الخطاب الكنسي يحاول الموازنة بين الدعوة إلى السلام وعدم إنكار المخاوف المشروعة. ويُنقل عن المطران أنطوان عودو تشديده على أهمية المصالحة والحوار، غير أن المزاج الشعبي يضيف طبقة واقعية أكثر حدة:
حتى إن لم تعد “داعش” بصورتها السابقة، فإن مجرد عودتها كخلايا نشطة كفيل بزرع الرعب وإعادة فتح حقائب السفر التي لم تُغلق أصلًا.
ذاكرة الخابور… جرح مفتوح
ولا يمكن فصل هذا القلق عن الذاكرة القاسية لمنطقة نهر الخابور، حيث ما تزال آثار التهجير والانكماش الديموغرافي تُثقل أي حديث عن “استقرار قريب”.
في مجتمعات صغيرة أصلًا، يكفي اهتزاز أمني واحد لتحويله إلى موجة نزوح جديدة، قد تكون هذه المرة بلا عودة.
بين الأمل والرحيل
خلاصة ما يطالب به المسيحيون في شمال شرق سوريا تبدو بسيطة في صياغتها، لكنها عميقة في معناها:
وقف نار مستقر، ضمان أمني فعلي لا شعارات، حماية للمدنيين والبنى التحتية، ومواطنة حقيقية تُشعر الناس أن وجودهم ليس تفصيلًا مؤقتًا في معادلات السياسة.
وإلى أن تتضح ملامح المرحلة المقبلة، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل تشكّل الترتيبات القادمة مظلة أمان حقيقية، أم محطة أخيرة قبل موجة رحيل جديدة؟




