أرنست وليم
قصة جيفري إبستين لا تزال واحدة من أكثر القصص غموضا وإرباكا في التاريخ الأمريكي الحديث. ليس فقط بسبب الجرائم الجنسية التي أُدين بها، بل لأن الرجل نفسه بدا وكأنه خرج من العدم، بلا سيرة مهنية منطقية، وبلا مسار واضح يفسر كيف تحول من مدرس بسيط، إلى واحد من أكثر الأشخاص اتصالا ونفوذا في العالم.
إبستين بدأ حياته العملية كمدرس في مدرسة Dalton الراقية بنيويورك، قبل أن يُطرد منها في ظروف لم تكن فضيحة كبرى، لكنها كانت كافية لإنهاء مستقبله التعليمي. بعد ذلك، وبدون شهادات مالية أو خبرة معروفة، ولا حتى مصدر معروف لثروة ، فهو فقير من بيئة فقيرة اصلا، صار فجأة داخل عالم المال والاستثمار، ثم سرعان ما أسس شركة خاصة لإدارة أموال “الأثرياء فقط”. شركة بلا موقع واضح، بلا موظفين معروفين، وبلا شفافية. هنا يبدأ السؤال الطبيعي: هو الراجل ده بيشتغل إيه بالظبط؟
الثروة التي راكمها إبستين لم تكن مجرد أرقام في حساب بنكي، بل تجسدت في قصور، طائرات خاصة، ويخوت، ثم في النهاية جزيرة كاملة معزولة في الكاريبي، كدا مرة واحدة. امتلاك جزيرة ليس تفصيلا عابرا؛ فهو يعني مساحة خارج الرقابةوبعيد عن القانون، وعالما مغلقا على من بداخله. حيازة خاصة.
لكن ما زاد الشبهات لم يكن المال وحده، بل الطريقة التي كان ينفق بها. إبستين كان يقدم خدمات فاخرة لكبار الشخصيات: سفر، إقامة، علاقات، وكل ذلك بلا مقابل واضح. لا صفقات، لا عقود، لا رسوم. وهنا يبرز السؤال الذي لا مفر منه: حد بيصرف كل ده ليه؟ ما الذي يريده رجل مثل إبستين من رؤساء دول، وأمراء، وسياسيين نافذين؟ أكيد يعني مش علشان الصحبة الحلوة، والونس، ولا مائدة "اغابي"
الأخطر من ذلك، أن كثير من الشهادات تحدثت عن هوس واضح بالتوثيق والتصوير. كاميرات في البيوت، تسجيلات، مراقبة دائمة. هذا لا يشبه سلوك هاوي "وذكرى الصديق تدوم للابد" وخلي العيال تعرف ابوهم او جدهم ما كنش شوية في البلد، بل أقرب إلى عقلية “خلي كل حاجة متسجلة… هنحتاجها بعدين، اوفي اللي محتجلها. في عالم السياسة والاستخبارات، الصورة ليست ذكرى، بل وثيقة ورقة ضغط.
شبكة علاقات إبستين بدورها تطرح أسئلة أكبر. الرجل لم يكن مجرد صديق لمشاهير، بل كان على اتصال برؤساء حكومات سابقين، ومسؤولين أمنيين، وشخصيات إسرائيلية نافذة. بعض الصحفيين لمحوا إلى صلات غير مباشرة بأجهزة استخبارات، خصوصا مع نمط الحماية التي حظي بها في قضايا سابقة، والعقوبة المخففة بشكل غير مبرر. في كذا مؤسسة ووزارة وجهاز "ملطوط حرفيا" في هذا التقصير - مجاملة ام تقصير الم تهديد .... اسئلة تحتاج تتاج اجابة، وقد يظهر بصيص نور في اخر النفق - ان كان منه مخرج. صحيح، لا يوجد حكم قضائي يثبت أنه كان عميلا لأي جهاز، لكن كل ذلك مربك فعلا.
فرضية “التوريط” تظل الأكثر تداولا بين الصحفيين الاستقصائيين. فالتوريط الجنسي، خاصة عندما يتعلق بقاصرات، هو أخطر أنواع الابتزاز. لا يحتاج إلى نشر، ولا إلى محاكمات؛ مجرد التهديد كافي لإسكات سياسي، أو كسر شخصية عامة للأبد.
ثم جاءت النهاية الغامضة داخل السجن. سواء انتحر إبستين، أو قُتل، أو تُرك ليموت بإهمال متعمد، فالنتيجة واحدة: الرجل الذي كان يحمل كل الخيوط اختفى. والملفات لم تُفتح بالكامل، والأسماء الكبرى لم تُحاسب، ومصدر المال الحقيقي لم يُكشف. وكأن النظام كله قرر أن يقول: “خلاص، كفاية لحد كده”. الكل "ملطوط " يا باشا، واكفي ع الخبر ماجور، ومن ستر مؤمنا فله الاجر والثواب.
في النهاية، ما نعرفه عن إبستين مؤكد وخطير: جرائم مثبتة، ثروة بلا تفسير، شبكة علاقات غير منطقية، وحماية غامضة. وما لا نعرفه أخطر: لمن كان يعمل؟ ومن كان المستفيد الحقيقي؟ وهل كان مجرد شخص منحرف استغل النظام، أم النظام نفسه هو من استخدمه؟
.
المقال القادم سيكون بعنوان : "هل كان ابستين يعمل لحساب الموساد الاسرائيلي؟"





