نيفين سوريال
معظم الناس دائمًا يفكّرون في أن يكونوا أغنياء، خصوصًا الذين يعملون عند الأغنياء، وغيرهم من بعض الناس. ومن هو الذي لا يريد أن يرتاح من الشقاء في هذا العالم المملوء همومًا واحتياجًا؟
وأرى دائمًا أنهم يريدون أن يُسابقوا الزمن لكي يصبحوا أغنياء، فمنهم من يساكنه الكذب والرياء والنفاق، ومنهم من يستأجرهم أصحاب العمل الفاسد في كل المجالات. وهذا ما يجعل الكثيرين منهم يفسدون ويقعون في أحداث تُضيّع أنفسهم، مع الأسف.
هذا الوصف ليس قاسيًا، بل واقعي. فالإنسان المتعب لا يبحث عن الغنى بدافع الشر، بل بدافع الخوف من الغد، من الفقر، من الإهانة، من العجز. لكن الكتاب المقدس يعلّمنا أن القلب المتعب إذا لم يجد راحته في الله، سيبحث عنها في المال، والسلطة، والنجاح السريع، وهنا يبدأ الخطر.
الغِنى كفخّ روحي
الكتاب لا يهاجم المال، لكنه يكشف خداعه:
«وَأَمَّا الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَكُونُوا أَغْنِيَاءَ فَيَسْقُطُونَ فِي تَجْرِبَةٍ وَفَخٍّ… تُغْرِقُ النَّاسَ فِي الْعَطَبِ وَالْهَلاَكِ»
— رسالة تيموثاوس الأولى 6:9
الخطورة هنا ليست في الامتلاك، بل في الرغبة المسيطرة.
حين يصبح الغنى هو الخلاص المنتظر، يتحوّل إلى فخّ غير منظور.
محبة المال تغيّر موازين الحق
«مَحَبَّةُ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ»
— رسالة تيموثاوس الأولى 6:10
محبة المال لا تبدأ بالقتل أو السرقة، بل تبدأ بتغيير صغير في الضمير:
الصمت عن الحق،
تبرير الخطأ،
السكوت عن الظلم،
والتعايش مع الفساد.
وهكذا يفسد الإنسان دون أن يشعر، ويبرر لنفسه بحجة: «الكل يفعل ذلك».
عندما يعمل الإنسان مع الفساد
الكتاب يعطينا أمثلة حقيقية، لا رمزية:
حنانيا وسفيرة
كذبا في المال، لا لأنهما محتاجان، بل لأنهما أرادا أن يظهرا صالحين أمام الناس.
«لِمَاذَا مَلَأَ الشَّيْطَانُ قَلْبَكَ لِتَكْذِبَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ؟»
— أعمال الرسل 5:3
«فَسَقَطَ وَمَاتَ»
هنا نرى أن الكذب المرتبط بالمال ليس أمرًا بسيطًا، بل خطية تمسّ قداسة الله.
يهوذا الإسخريوطي
لم يكن جاهلًا، بل عاش مع المسيح، وسمع الحق، لكنه فضّل المال.
«وَأَخَذَ الثَّمَنَ وَمَضَى، فَشَنَقَ نَفْسَهُ»
— متى 27:5
المال الذي ظنه خلاصًا، صار حبل هلاكه.
الطمع الذي يقتل
في قصة أخاب ونابوت، نرى كيف يقود الطمع إلى الظلم ثم إلى الدم:
«فَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ فَمَاتَ»
— 1 ملوك 21:13
لم يبدأ الأمر بقتل، بل باشتهاء ما ليس له.
وهكذا يُعلّمنا الكتاب أن الخطية إذا لم تُقطع في بدايتها، ستكبر وتدمّر.
وهم الأمان في الغِنى
يحكي المسيح عن الغني الغبي الذي قال لنفسه:
«لَكِ خَيْرَاتٌ كَثِيرَةٌ… اسْتَرِيحِي وَكُلِي وَاشْرَبِي»
لكن الجواب الإلهي كان صادمًا:
«يَا غَبِيُّ، هذِهِ اللَّيْلَةَ تُطْلَبُ نَفْسُكَ مِنْكَ»
— لوقا 12:20
الغنى لم يضمن له يومًا واحدًا إضافيًا من الحياة.
الحقيقة المؤلمة
«مَاذَا يَنْتَفِعُ الإِنْسَانُ لَوْ رَبِحَ الْعَالَمَ كُلَّهُ وَخَسِرَ نَفْسَهُ؟»
— متى 16:26
كثيرون ربحوا مالًا،
لكنهم خسروا سلامهم،
خسروا بيوتهم،
خسروا أولادهم،
وخسروا أنفسهم.
الدعوة الخلاصية
الله لا يدعو الإنسان إلى الفقر، بل إلى التحرر.
التحرر من عبودية المال،
ومن سباق العالم،
ومن الخوف المستمر.
«اطْلُبُوا أَوَّلًا مَلَكُوتَ اللهِ وَبِرَّهُ»
— متى 6:33
الراحة الحقيقية
«تَعَالَوْا إِلَيَّ يَا جَمِيعَ الْمُتْعَبِينَ وَالثَّقِيلِي الأَحْمَالِ وَأَنَا أُرِيحُكُمْ»
— متى 11:28
الراحة التي لا يعطيها المال،
ولا الوظيفة،
ولا النجاح السريع,
يعطيها الله وحده.
الخاتمة
ليس كل غنيّ شريرًا,
ولا كل فقير بارًّا,
لكن القلب هو الميزان.
من جعل المال سيده، استُعبد.
ومن جعل الله أولًا، نجا… سواء كان غنيًا أو فقيرًا.
«الْقَنَاعَةُ مَعَ التَّقْوَى تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ»
— تيموثاوس الأولى 6:6





