بقلم الأب يسطس الأورشليمى
إن كان يُونان قد هرب من الخدمة إلى يافا، ليبحر إلى ترشيش في عصيان الله، الأمر الذي أثار البحر بنُوء عظيم لم يهدأ إلا بإلقائه فيه، فمن جانب آخر فإن يُونان يُمثل المسيح حامل خطايانا الذي ألقى بنفسه في بحر حياتنا ليهبنا سلاماً خلال ذبيحة المصالحة..
وصار قول الرّب إلى يُونان بن أمتاي قائلاً: قُم أذهب إلى نينوى المدينة العظيمة وناد عليها، لأنه قد صعد شرّهُم أمامي (1-3)..
كانت الدعوة فريدة في نوعها، فهُو النبي الوحيد الذي دُعي لخدمة مدينة أممية لا ليتنبأ عنها بالدمار وإنما ليدعُوها للتوبة حتى لا يحل عليها الغضب الإلهي، ولم يكُن ممكناً لأحد أن يتقبل مثل هذه الدعُوة، ليس لكراهية نحو الأمم وإنما لحُبه لشعبه، فخلاص الأمم يتحقق مع زلة إسرائيل، وإيمان العالم خلال جحُود الشعب القديم..
إذ كان يُونان غير قادر بفكره البشري أن يتقبل الدعوة فهرب، لكن الله الذي يرى نقاوة قلبه استخدم حتى هرُوبه لتحقيق مقاصده الإلهية نحو الأمم، دُعي يُونان الذي يعني حمامة للكرازة في نينوى المدينة العظيمة التي ارتفع صراخ شرّها حتى السماء، وكأن الله أراد أن يُحطم صرخات الشرّ بوداعة الحمامة، ويُطفيء النار بالماء..
إن كان العالم قد تحول إلى ضجيج لا ينقطع وصرخات ظُلم، فهُو في حاجة إلى الذي له العينان الحمامتان، عينا الرُوح القُدس لكي بالوداعة نصير ملكُوته المملُوء فرحاً وسلاماً..
فقام يُونان ليهرب إلى ترشيش من وجه الرّب فنزل إلى يافا ووجد سفينة ذاهبة إلى ترشيش، فدفع أجرتها ونزل فيها ليذهب معهم إلى ترشيش من وجه الرّب (3)..
لماذا أراد يُونان الهرُوب إلى ترشيش من وجه الرّب؟!
أولاً: أن يُونان لم يحتمل الذهاب إلى نينوى فتخلص على حساب شعبه إسرائيل، فعصى الرّب لا عن كراهية في القلب وإنما عن غيرة من جهة شعبه وكأنه يمتثل بمُوسى في قوله: إن غفرت خطيتهُم وإلا فامحني من كتابك الذي كتبت، فالذي اقتنى مراحم الله، ولم يمح الله اسمه من كتابه، بنفس الرُوح يقُول بُولس: أود لو كُنت أنا نفسي محرُوماً من المسيح لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد، راجع (خر32:32؛ رو3:9)..
ثانياً: كلمة ترشيش تعني بحر، وكلمة يافا تعني جمال، فإن يُونان عوض أن ينطلق خلال وصية الله إلى الكرازة لنينوى بالخلاص استحسن النزُول إلى جمال فكره وحكمته إلى يافا ليلقي بنفسه في بحر هذا العالم دُون الجهاد الحقّ، وحمل الصليب..
ثالثاً: يُونان النبي وهُو يعرف أن الله إله السماء الذي صنع البحر والبرّ، إذ يتكيء على فكره البشري خارج الإيمان، يندفع نحو الهرُوب من الله، حقاً لقد هرب من البر لكنه لم يهرب من غضب الله، هرب من الأرض لكنه جلب على نفسه العواصف، كان يليق به بالحري أن يهرب من الله بل إلى الله، ففيه وحده يجد سلامه، وأمانه..
حقاً مَن هرب من الضيقة، فقد هرب من الله..
إن كان يُونان قد هرب إلى البحر من صانع البحر، لهذا استدعاه الرّب بلغة جديدة تليق به كهارب هي لغة الضيقات المتوالية..
فأرسل الرّب ريحاً شديدةً إلى البحر، فحدث نوءٌ
عظيمٌ في البحر حتى كادت السفينة تنكسر (4)..
صار الرّب يُحدثه بلغة الريح الشديدة، والنوء العظيم، والسفينة الفاقدة لاتزانها، الأمُور التي تناسب يُونان، وتكشف عما في داخله من ريح عصيان وتمرد عنيف ونوء داخلي، وسفينة قلبه غير المُتزنة..
يُشير هرُوب يُونان إلى حالة الإنسان بوجه عام..
احتقار الإنسان وصايا الرّب والهرُوب من وجهه، سلّم نفسه للعالم فاشتد به نوء العالم ليغرق، عندئذٍ التزم بالتأمل في الله والرجُوع إلى مَن هرب منه، كانت السفينة في خطر والأمواج هائجة بواسطة الرياح، متى كان الرّب غير راضٍ لا يكُون شيء في أمان وسلام..
حقاً نفسيتك هي سفينتك في رحلة الحياة، فعليك الحفاظ عليها جيداً، وإصلاح ثقُوبها باستمرار لئلا تغرق، فتّتحول حياتك من رحلة مُمتعة إلى كارثة مُحققة، فسد ثقُوب الخُوف والقلق، بالإيمان والرجاء المُوضُوع أمامك، فإن الرّب نائم عندك في السفينة..
سمع الغرباء صوت الله بالرغم عدم معرفتهُم له، بينما تثقلت أذني يُونان عن السماع، إذ قيل: فخاف الملاّحُون وصرخُوا كُل واحدٍ إلى إلهه وطرحُوا الأمتعة التي في السفينة إلى البحر، ليُخفّفُوا عنهم، وأما يُونان فكان قد نزل إلى جوف السفينة ونام نوماً ثقيلاً (5)..
كان الملاّحُون وثنيين، ومعرفتهُم عن الله يشُوبها الكثير، ومع ذلك إذ تحدث الله بلغة الضيق إمتلأوا خوفاً ولم يتصرفُوا إلا بعد أن صرخ كُل واحد منهُم إلى إلهه، فكان الله بالنسبة لهُم أولاً، وقبل كُل شيء، بالرغم من عدم معرفتهُم له، كانُوا يجهلُون الحقّ..
لم يجهلُوا العناية الإلهية، خلال تدينهُم أدركُوا بعض العمق الرُوحي، أما إسرائيل فلم يستطع الألم أن يقُوده إلى معرفة الله، لذلك بكى يسُوع على الشعب، أما عيُون الشعب فكانت جافة..
كان الوثنيُون يصرخُون إلى آلهتهُم ويلقُون بأمتعتهُم في البحر، كُل واحد يُصلّي ويعمل قدر استطاعته، أما يُونان وهُو يُدرك أنه سبب البلية، فنزل إلى جوف السفينة لينام نوماً ثقيلاً، وكأنه أراد ألا يرى غضب الله عليه، أو كمَن تناول مُخدراً ليهرب من واقعه المُؤلم..
إن كان نوم يُونان يُمثل نوعاً من الرخاوة، لكنه في نفس الوقت قدم لنا جانباً نبُوياً طيباً، فمن جهة كان يُمثل البشرّية المُستريحة في الرّب وسط أمواج هذا العالم المُضطرب، فعندما كان هيرُودُس مُزمعاً أن يقدم بُطرُس ليقتله، كان بُطرُس نائماً نوماً عميقاً وهُو مربُوط بسلسلتين بين عسكريين في السجن وتحت حراسة مُشدّدة (أع6:12)..
من جانب آخر كان يُونان يمثل السيد المسيح الذي نام على الصليب كما في السفينة، ليُقيم حواء الجديدة (الكنيسة) من جنبه المطعُون، تنعم بالراحة الحقيقية فيه، لقد نام على الصليب لكي يُدفن في بطن الحُوت، ليقُوم واهباً إيانا قُوة قيامته المجيدة الفريدة..
نعود إلى الملاحين ورئيسهُم لنجدهُم يتصرفُون بحكمة فائقة مع وداعة ولطف، إذ قيل: فجاء إليه رئيس النُوتية وقال له: مالك نائماً، قُم اصرخ إلى إلهك عسى أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك، وقال بعضهُم لبعض: هلُمّ نُلقي قُرعاً لنعرف بسبب مَن هذه البلية فالقُوا قُرعاً فوقعت على يُونان، فقالُوا له أخبرنا بسبب مَن هذه المُصيبة علينا، ما هُو عملك ومَن أين أتيت؟! وما هي أرضك؟! ومن أي شعب أنت؟! فقال لهُم: أنا عبرانيٌ وأنا خائفٌ من الرّب إله السماء الذي صنع البحر والبرّ (6-9)..
اتسم رئيس النُوتية بوداعة فائقة في حديثه مع النبيّ الذي يغط نوماً في وقت كان الكُل فيه يصرخ ويُصلّي، ويلقي بالأمتعة في البحر، لقد تحدث برقة ولم يجرح فيها مشاعره، حثه على الصلاة بلطف، الأمر الذي لا نجده أحياناً في المُؤمنين وفي الرعاة، إذ يفقدُون سلامهُم عند التوبيخ، ويخسرُون هدُوءهُم ليصلحُوا من شأن الآخرين..
الله الذي سبق فتحدث معه خلال إعلان للعمل في نينوى، عاد ليُحدثه خلال الطبيعة، وإذ سد أذنيه حدثه خلال الوثنيين، قائلاً له: مالك نائماً، قُم اصرخ إلى إلهك عسى أن يفتكر الإله فينا فلا نهلك، والعجيب أن البحارة ألقُوا قُرعة فكشف الله عن الحقيقة، وأدركُوا في يُونان علة الغضب، أرشدهُم خلال القرعة إنما يُحدثهم خلال فكرهُم، كما أرشد الله بلعام خلال أتانه، ليُعلن له أن الحيوان الأعجم أدرك ما لم يُدركه الإنسان في شرّه، وكما تحدث الله مع المجُوس خلال النجم، وكما سمح لقيافا أن يتنبأ عن المسيح حين قال: ينبغي أن يموت واحد عن الشعب..
إن كان يُونان في حُبه لشعبه استهان بخلاص الأمم، فخلال القرعة كشف له الله أنه لا يحتقر أممياً، إنما يُحدثهُم بلغتهُم، ويكشف لهُم عن الحقيقة حتى خلال ممارستهُم، فما قدمته القرعة حمل توبيخاً إلهياً خفيفاً ليُونان المُستهين بخلاص الأمم، وفي وسط التيارات العنيفة، والنُوء الشديد، والخطر المُحدق، لم يفقدُوا سلامهُم بل أثبتُوا أنهُم حكماء..
إذ رأوا في يُونان سراً، صارُوا يسألُونه عن كُل حياته بالتفصيل، فكانت أسئلتهُم تُوبيخاً لطيفاً استخدمه الله لإصلاح يُونان..
قال: أنا عبراني عابر كإبراهيم، ضعيف وراحل كسائر آبائي، إنني خائف من الرّب إله السماء، وليس من الآلهة التي تضرعُون إليها العاجزة، من البحر الذي أهرب إليه، والبرّ الذي أهرب منه..
اعترف يُونان بخطئه، فتعرف البحارة على الله المخُوف، إذ قيل:
فخاف الرجال خوفاً عظيماً، وقالُوا له: لماذا فعلت هذا؟ فإن الرجال عرفُوا أنه هاربٌ من وجه الرّب لأنه أخبرهُم، فقالُوا له: ماذا نصنع بك ليسكن البحر عنا؟ لأن البحر كان يزداد اضطراباً، فقال لهُم: خُذُوني واطرحُوني في البحر فيسكُن البحر عنكُم، لأنني عالم أنه بسببي هذا النُوء العظيم عليكُم، راجع الكتاب (10-12)..
قدم يُونان العلاج هُو طرحه في البحر الهائج، فيسكُن النُوء العظيم، فقد كان هذا النُوء بسبب عصيانه للرّب فلا يهدأ إلا بإلقائه في المياه لتوبته، فهُو كممثل المسيح حامل خطايا العالم، كان لا بد أن يُلقى به على الصليب لينعم المُؤمنُون به بالمصالحة مع الآب..
ظن يُونان أنه قادر على الهرب من إله البحر خلال سفينة، فأمسك به وسط المياه الثائرة داخل السفينة ليحصره وسط الضيق، ويدخل به إلى التوبة، استخدم الله كُل الظرُوف لخلاصه، فلم يقده من السفينة إلى المدينة مباشرة، وإنما سلمه البحارة إلى البحر، والبحر للحوت، والحوت لله، والله لأهل نينوى، وخلال هذه الدائرة الطويلة ردّ الشارد حتى يعرف الكُل أنه لا يمكن الهرُوب من يد الله إلا بالتجاء إليه..
لكن الرجال جذفُوا ليُرجّعُوا السفينة إلى البرّ فلم يستطيعُوا، لأن البحر كان يزداد اضطراباً عليهم فصرخُوا إلى الرّب وقالُوا: آه يارّب لا نهلك من أجل نفس هذا الرجل، ولا تجعل علينا دماً بريئاً لأنك يارّب فعلت كما شئت، ثُم أخذُوا يُونان وطرحُوه في البحر (13-15)..
أبرز هذا السفر في بساطة الجوانب الطيبة لهُؤلاء الأمميين، ففي البداية لم يلقُوا بأمتعتهُم، ولا تصرفُوا بحسب خبرتهُم كبحارة إلا بعد أن صرخ كُل واحد إلى إلهه، فوضعُوا آلهتهم أولاً قبل خبرتهُم، الأمر الذي يتجاهله كثير من المُؤمنين، مرة أخرى حين ألقُوا القرعة ووقعت على يُونان لم يجرحُوا مشاعره بكلمة ولا أهانُوه بالرغم من الخسائر..
عندما اعترف بخطئه وأشار إليهُم بطرحه في البحر، حاولوا إنقاذه بكُل وسيلة، وإذ فشلُوا تماماً، وأدركُوا أنها مشيئة الله أن يطرحُوه في البحر، كانُوا في رعدة يخشُون غضب الله، ويسألُونه ألا يسمح بهلاكهُم من أجل نفس هذا الرُجل، ألم تكن هذه التصرفات المملُوءة حُباً، وحكمة كافية لتوبيخ يُونان الذي دعاه الرّب لخلاص الأمم فهرب!!
عظيم هُو إيمان الملاحين، فقد كانُوا في خطر ومع هذا كانُوا يُصلّون من أجل حياة الغير، عرفُوا جيداً أن الموت الرُوحي أبشع من الموت الطبيعي، إذ قالُوا: لا تجعل علينا دماً بريئاً، يجعلُون الله نفسه شاهداً حتى لا يتهمهُم فيما لا يستطيعُون عليه، وكأنهُم يقُولُون له: لا نُريد أن نقتل نبيك، النوء أكد إرادتك يارّب، هذه التي نحنُ نُتممها بأيدينا..
لم يقل: أمسكُوه أو انقضُوا عليه، بل أخذُوه كمَن حملُوه باحترام وإكرام، وطرحُوه في البحر مُسلماً نفسه بين أيديهُم بلا مقاومة، عندئذٍ وقف البحر عن هيجانه، إذ وجد مَن كان يبحث عنه، في إلقاءه في البحر إشارة إلى طرد الخطية من سفينة حياتنا ليعُود سلامنا..
في إلقاء يُونان في البحر إشارة إلى آلام السيد المسيح، التي نزعت عن بحرنا هياجه واضطرابه، وخلصت السفينة ومَن بها من الخطر، خلال آلام الرّب امتلأ العالم سلاماً داخلياً فائقاً..
وأما الرّب فأعد حُوتاً عظيماً ليبتلع يُونان، فكان يُونان في جوف الحُوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ (17)..
لم تسر الأمُور بلا تدبير، أو تخطيط إلهي، لكن الله الذي أرسل الريح، فحدث نُوء عظيم، يُعلن غضب الله على العصيان هُو الذي أرسل حوتاً ضخماً بجوار السفينة يبتلع يُونان، يكشف عن رعاية الله به، إنه يُمثل المسيح الذي أمات الموت بموته، لقد ظهر يُونان كضحية للموت يبتلعه الجحيم، لكن لم يستطع أن يحتمله في داخله أكثر من ثلاثة أيام، وثلاث ليالٍ بل قذفه من جوفه (مت40:12)..
أكد المسيح ما حدث ليُونان في جوف الحُوت كرمز لما حدث مع الرّب نفسه: لأنه كما كان يُونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، هكذا يكُون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ..
كيف بقى السيد المسيح في الأرض هذه المدة؟!
أولاً: أن اليهُود يحسبُون الجزء من اليوم كيوم كامل، فتحسب مدة موت السيد المسيح من الجمعة حتى الأحد، وإن كان قد مات في نهاية الجمعة، وقام في فجر الأحد، ولو بقى الرّب حتى نهاية الأحد لكان الجُند قد تركُوا القبر وصدق اليهُود أن خبر القيامة من صنع التلاميذ افتعلوه بعد ترك الجُند للموقع، لذا قام والجُند يحرسُون القبر..
ثانياً: اعتبار ساعات الظُلمة على الصليب، ليلاً جديداً فريداً في نوعه، ويُحسب مدة الدفن منذ اللحظة التي سلّم فيها السيد جسده المبذُول في أحشاء تلاميذه في العشاء الأخير، كمَن هُو مدفُون في الأرض البشرّية، ليُقيمها معه سماءً له، بقيامته في فجر الأحد..
لقد دفن السيد المسيح ثلاثة أيام وقام، هذه هي الحقيقة التي شهدها التلاميذ، وأكدها الرّب ببراهين كثيرة، لنعيشها كسرّ قيامتنا اليومية، وغلبتنا على الموت والجحيم، واستخدم يُونان بدخُوله إلى الموت، وخرُوجه كدليل حيّ على قيامة الجسد في اليوم الأخير..





