بقلم الأب يسطس الأورشليمى
سفر يونان الذي يُعلن رمزياً عن قبُول الأمم للكرازة، وإعلان توبتهُم ورجُوعهُم إلى الله..

بينما كان اليهُود يقاومُون الأنبياء ويضطهدُونهُم، إذا بأهل نينوى يقبلُون كرازة يُونان، ويُعلنُون صدق توبتهُم، إنها صورة رمزية لرفض اليهُود للمسيح الذي تنبأ عنه أنبياؤهُم، بينما قبلت الأمم الغريبة الإيمان به خلال سماعها عنه، وكما قال السيد المسيح نفسه: 

رجال نينوى سيقُومُون في الدين مع هذا الجيل ويُدينُونه لأنهُم تابُوا بمناداة يُونان، وهُوذا أعظم من يُونان ههنا (مت41:12)..

كشف هذا السفر عن محّبة الله للبشرّية من جوانب مُتعدّدة، فأعلن أنه إله الجميع، يهتم باليهُود كما بالأمم، ويود خلاص كُل نفس، في محبّته يُعلن ضعفات نبيه لا للتشهير بها وإنما ليهب رجاءً لكُل نفس ضعيفة، وفي محّبته يبرز الجوانب الطيبة حتى في الأمميين، فيُعطي ضوءً على تصرفات رئيس النُوتية، ورجاله المملُوءة حكمةً ولطفاً.. 

لقد استحقُوا أن ينعمُوا بالإيمان، وفي محبته يستخدم الله كُل شيء حتى الخليقة الجامدة لتحقيق غايته نحو الإنسان، فهُو الذي أرسل النُوء العظيم، وأعد حُوتاً يبتلع يُونان، ودُودة تأكل اليقطينة وتتلفها، وريحاً شرقية حارة، فتضرب الشمس يُونان... الخ

أشار رّبنا يسُوع المسيح إلى قصة يُونان كحقيقة واقعية، وأيضاً إلى توبة أهل نينوى، ولم يعترض أحد من اليهُود..

طابع السفر تاريخي بسيط، وليس بالسفر الشعري الرمزي، ويذكر فيه اسم النبي، واسم والده بكُونهما شخصين معرُوف مكان نشأتهما، كما يذكر مواضع معرُوفة مثل: يافا، ترشيش، نينوى..

لو أن السفر قصة رمزية غير واقعية كتبها آخر غير يُونان نفسه، لما كشف بقُوة عن خطأ فكر النبيّ، فقد جاء السفر يكشف عن الكاتب كنبي تائب يُسجل بقلمه، وبوحي إلهي اعترافاته، فاضحاً أعماق قلبه، وكأنه مع مُعلمنا بُطرُس الرسُول يُقدم دمُوع التوبة، ومع مرقس الإنجيلي يسجل خطأه أكثر مما سجله بقية الإنجيليين..

في نفس الوقت يبرز جوانب طيبة في النُوتية الأمميين، واستعداداً فائقاً للملك الوثني وكُل شعبه لقبُول محّبة الله لكُل البشرّية، فبينما يظهر النُوتية الأمميُون كرجال صلاة، يصرخُون إلى آلهتهُم قبل أن يُمارسُوا خبرتهم البحرية في السفينة، إذا به يتحدث عن نفسه، الإنسان الوحيد في المركب يغط في نوم عميق، فييقظه الله بكلماتهُم..

هذا الفكر الإنجيلي المُتسع الذي يفتح أبواب الرجاء أمام الأمم، ويُعالج الأمُور بغير تحيز لم يكن ممكناً لكاتب يهُودي أن يتقبله ويسجله بُوضوح وصراحة إلا مَن كان كيُونان دخل إلى الموت في جوف الحوت، وتلامس مع الله الذي يُقيم من الأموات..