لوقا ٢: ٢٢-٤٠

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
يبلغ إنجيل لوقا ذروةً لاهوتيّة حاسمة عندما يعيدنا، في مشهد تقديم يسوع، إلى الهيكل. فالقصّة التي بدأت بوعدٍ في الهيكل مع زكريّا، تعود إلى الهيكل مع يسوع نفسه. لكن ما يحدث هنا وإن كان طقسًا دينيًّا، لكنّه يصبح إعلانًا: الله يدخل تاريخه لا بالقوّة، بل بالطاعة، لا بالاستثناء، بل بالخضوع لمسار البشر. فمريم ويوسف يحترمان الشريعة ويعيشانها بأمانة: يُختن الطفل في اليوم الثامن، ويُسمّى يسوع طاعةً لكلمة الملاك، ثم يُحمل بعد أربعين يومًا إلى الهيكل. لا شيء استثنائيًّا في الظاهر، سوى هذا الأمر الواحد: الله نفسه يدخل النظام الذي سيكسره لاحقًا من الداخل.

لكن هذا المشهد يكشف أيضًا خطرًا دائمًا يرافق الإيمان: خطر الخلط بين الزمن الطقسي والنعمة الخلاصيّة. فالشريعة اليهوديّة عرفت تمييزًا زمنيًّا بعد الولادة: أربعون يومًا للذكر، وثمانون للأنثى. كان هذا التمييز جزءًا من نظام طقسيّ قديم، لا من إعلان خلاصي. غير أنّ المشكلة تبدأ حين يتحوّل هذا الإيقاع الزمني إلى قاعدة كنسيّة غير مُساءَلة، كما حدث في بعض تقاليدنا الشرقيّة، حيث أُجِّلت المعموديّة أربعين يومًا للذكر وثمانين للأنثى، وكأنّ الزمن البيولوجي صار شرطًا للنعمة.

هنا يجب أن يكون الكلام واضحًا وحاسمًا: المعموديّة ليست طقس انتظار، بل ولادة جديدة. ليست مكافأة تُؤجَّل، ولا نعمة تُضبط بالساعة واليوم، ولا تُقاس بطهارة الجسد أو بدم الولادة. المعموديّة هي دخول كامل وفوري في حياة المسيح، بلا تدرّج، بلا تمييز، بلا تأجيل. وكلّ ممارسة توحي – ولو ضمنًا – بأنّ الأنثى تحتاج زمنًا أطول لتدخل النعمة، هي ممارسة تصطدم مباشرة بجوهر الإنجيل، مهما كان أصلها التاريخي أو نواياها الحسنة. المسيح الذي أُدخِل الهيكل بعد أربعين يومًا، هو نفسه الذي سيعلن لاحقًا أنّ الإنسان لا يتنجّس بالجسد، وأنّ النعمة لا تُؤجَّل باسم الطهارة.

ثم نلتقي سمعان. رجلٌ بارّ، تقيّ، منتظر. انتظارُه ليس انسحابًا، بل يقظة طويلة. يقوده الروح في اللحظة المناسبة، فيحمل الطفل ويقول: «الآن تُطلِق عبدك بسلام». غير أنّ التقليد الكنسي ألصق بهذه الشخصيّة قصّة مؤثّرة تقول إنّه كان من مترجمي السبعينيّة، وإنّه تردّد أمام ترجمة نبوءة أشعيا عن «العذراء» التي تحبل، فوُعد بأن يعيش إلى أن يرى تحقيق الكلمة. قصّة جميلة… لكن هنا يجب أن نقول الحقيقة بجرأة: هذه القصّة مستحيلة تاريخيًّا. فالترجمة السبعينيّة بدأت في القرن الثالث قبل الميلاد وانتشرت على مدى قرنين قبل ولادة يسوع. ولو كان سمعان أحد مترجميها فعلًا، لكان قد تجاوز عمره المئتي عام.

فماذا نفعل بهذا التقليد؟ 
الطريق الأصدق هو طريقٌ أعمق: نفكّكه لنفهمه. الكنيسة لم ترد بهذه القصّة أن تكتب تاريخًا دقيقًا، بل أن تقول معنى لاهوتيًّا: إنّ الكلمة التي بدت يومًا مستحيلة على العقل، صارت جسدًا يُحمَل بين الذراعين. لكن الخطر يبدأ حين ننسى أنّ هذا تعبير رمزي، فنحوّل الرمز إلى تاريخ، والتقليد إلى حقيقة حرفيّة، ونُعفي أنفسنا من التفكير النقدي.

وهنا تكمن المفارقة الخطيرة: كنيسةٌ تعرف أن بعض تقاليدها تعبيرات رمزيّة، لكنها تخشى مساءلتها؛ كنيسةٌ تستخدم الأسطورة لتقول الإيمان، لكنها تتردّد في تنقية ممارساتها الطقسيّة من آثار لم يعد لها معنى إنجيلي. إذا كنّا نقبل أنّ قصّة سمعان ليست تقريرًا تاريخيًّا، فلماذا نرفض الاعتراف بأنّ بعض عاداتنا الطقسيّة ليست وحيًا؟

ونشيد سمعان نفسه يحسم الأمر. فالطفل الذي هو نور الخلاص، سيكون أيضًا «علامة تُعارَض». أي أنّ حضوره سيكشف القلوب، داخل الكنيسة كما خارجها. وسيُطلب من مريم أن تقبل سيف الألم، لا لأنّ الله قاسٍ، بل لأنّ الحقّ حين يدخل التاريخ يجرح الأوهام.

حنّة تفهم هذا. امرأة مسنّة، منسيّة، منتظرة. لا تشرح، لا تنظّر، بل تشهد. وتتحوّل من صمت طويل إلى إعلان. هكذا يولد الرجاء الحقيقي.

هذا النصّ لا يدعونا إلى كسر التقليد، بل إلى تحريره. لا إلى احتقار الذاكرة، بل إلى تنقيتها. لا إلى العنف مع الماضي، بل إلى الصدق معه. فالإنجيل لم يُعطَ لنا لنحتمي خلفه، بل لنُحاسَب به. وحين نضع العادة فوق الإنجيل، أو نؤجّل النعمة باسم الزمن، أو نحمي تقاليد غير دقيقة باسم الورع، نكون قد فقدنا الجرأة التي تميّز الإيمان الحيّ.

المسيح هو المعيار، لا الزمن.
النعمة هي الأساس، لا العادة.
والإنجيل لا يُؤجَّل. 
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ