«إقلع غماك يا تور»: من القلق الوجوديّ إلى وعي المقهور
رباعيّات صلاح جاهين: قراءةٌ فلسفيّة ولاهوتية (٤)
«إقلع غماك يا تور وارفض تلف
إكسر تروس الساقية و اشتم وتف
قال : بس خطوة كمان .. وخطوة كمان
يا اوصل نهاية السكة يا البير تجف
عجبي !!!»
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
تصرخ رباعيّة جاهين في وجه الظلم، وتتوجّه براديكاليّة لتصرخ في وجه "الاستمرار الآلي". الثور لا يُساق بالقوّة، بل بالاعتياد. والساقية لا تحتاج جلّادًا، بل زمنًا مغلقًا يُقنع الإنسان أنّ الدوران هو الحياة وأنه السبيل الوحيد للخلاص.
هنا يلتقي جاهين مع سورين كيركجورد (كما ينطقه الدانمركيّون) في لحظةٍ محوريّة: فكيركجورد يرى أنّ أخطر أشكال اليأس هو "اليأس غير الواعي"، حين يعيش الإنسان داخل دورٍ مفروضٍ عليه من دون أن يسأل نفسه: هل أنا اخترتُ هذا؟ أعمق أشكال اليأس هو أن يكون الإنسان غير واعٍ بأنّه يائس!
«إقلع غماك» هي بالضبط دعوة إلى هذه اليقظة لحظة إيقاظ الوعي. فالغمامة ليست جهلًا بسيطًا هي هربٌ من القلق قد يؤدّي إلي الهلاك. والقلق، عند كيركجورد شرط الحرّيّة، لأنّه يكشف للإنسان أنّه قادر على الاختيار، وأنّ الاستمرار ليس قدَرًا.
لكن الرباعيّة لا تقف عند القلق الفردي، بل تنتقل إلى البنية. وهنا يجعلني جاهين أفكّر في البرازيليّ پاولو فريري. فالساقية، عند جاهين، هي ما يسمّيه فريري "نظام القهر المُعاد إنتاجه". يُسحق المقهور، والأدهى أنّه يُدرَّب على قبول سحقه، وعلى تبريره: «بس خطوة كمان… وخطوة كمان». هذا هو منطق ما سمّاه فريري "الوعي الساذج"، الذي يرى المعاناة قدَرًا، لا نتيجة نظام وبنية جائرة. ويرى فريري أنّ أخطر أشكال القهر هو حين يتبنّى المقهور صورة القاهر عن نفسه وعن العالم (باولو فريري، تربية المقهورين، ١٩٦٨).
كسر تروس الساقية، إذًا، ليس محض فعل غضب، بل يمثّل فعل "تحرير الوعي".
وهو لا وعد بنهاية سعيدة، بل قطيعة مع وهم النهاية. ففريري يصرّ أنّ التغيير يبدأ بالتسمية الصحيحة للواقع. أن تقول: أنا لستُ ترسًا. أن تعترف بأنّ الاستمرار ليس فضيلة.
جاهين يسبقنا إلى الخلاصة الوجوديّة والبنيويّة معًا:
المعنى لا يأتي من الدوران الأفضل، ولا من تحمّل الألم أطول، بل من التوقّف… ومن الجرأة على أن تكون حرًّا من دون ضمان.
الدين
هنا يظهر دور الدين بوضوح. وهو الأسهل لتحقيق الاستغلال، فكثيرًا ما يُستدعى الخطاب الديني ليمنح هذه الساقية شرعيّة أخلاقيّة: اصبر… احتمل… ربّنا شايف… النهاية أحسن. فيتحوّل الصبر من فعل واعٍ إلى أداة ضبط، ومن قوّة داخليّة إلى وسيلة تدجين. يصبح الدين غطاءً للدوران، لا سؤالًا يكشفه.
جاهين لا يهاجم الإيمان، بل يفضح استخدامه المستغلِّ بطريقة ضمنيّة.
فالوعد الدينيّ يُستعمل لتجميل الاستنزاف، وكيف يُقنِع الإنسان بأنّ عليه أن يكمّل الدوران حتّى آخر قطرة، بدل أن يسأل: لماذا أدور أصلًا؟
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
اقرأ للتعمّق:
Søren Kierkegaard, The Sickness Unto Death, 1849.
Søren Kierkegaard, The Concept of Anxiety, 1844.
پاولو فريري، تعليم المقهورين، ١٩٦٨.





