الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
من يقرأ الكتاب المقدّس يلمس حسّاسيّة واضحة لله في تعامله مع الفقراء في العهد القديم، أولئك المستضعفين في الأرض. الفقراء هنا لا يُختزلون في مَن يفتقرون إلى المال، بل يظهرون في النصّ بأسماء محدّدة: الأرملة، واليتيم، والضيف، والمديون، والمريض، والغريب. هؤلاء هم مقياس العدالة في علاقة الشعب بالله، وحضورهم الدائم في الشريعة والأنبياء يكشف موقعهم في قلب الخبرة الإيمانيّة.
وفي العهد الجديد، تكشف القراءة المتأنّية منذ الصفحات الأولى أنّ يسوع لم يقف موقف الحياد. حضوره وتعليمه ومسيرته تُظهر انحيازًا واضحًا إلى المهمَّشين والضعفاء وذوي السمعة السيّئة والمرضى والخطأة والزواني وجباة الضرائب. إنّه نبيّ الانحياز، لا بمعناه الأيديولوجيّ، بل بمعناه الإنجيليّ، حيث تُقاس الحقيقة بقدرتها على إعادة الحياة إلى مَن سُلبت منهم.
من هنا ينبثق ما يمكن تسميته إنجيل الفقراء. إنّه قراءة للكتاب المقدّس تنطلق من حياة المقهورين، وتضع أسئلتهم في قلب الفهم الإيمانيّ. يُقاس صدق الإيمان، في هذا الأفق، بقدرته على صون الكرامة الإنسانيّة، وعلى تسمية ما يدمّر الحياة في الواقع اليوميّ للناس.
في هذا المسار، تتداخل الصلاة والعدالة، وتُختبر الروحانيّة في مفاعيلها العمليّة. التعليم الدينيّ، والوعظ، والليتورجيا، كلّها مدعوّة إلى إبقاء الضمير يقظًا، وإلى منع تحويل الألم إلى قدرٍ مقبول أو اختبارٍ يُطلب احتماله في صمت.
ويُقرأ الخروج، والأنبياء، من خلال يسوع كمال الوحي، بوصفهم أصواتًا واجهت القهر وكشفت تواطؤ السلطة حين تتزيّن بالدين. هكذا يصير الإيمان موقفًا ومسؤوليّة تاريخيّة، ويُقرأ الكتاب المقدّس من داخل الحياة نفسها، حيث تتكوّن المعاناة، وحيث يُصاغ الرجاء.
(اللوحة للفنان إيميل نولدِه، ١٩١٠. Emil Nolde in 1910)
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





