هاني صبري - الخبير القانوني والمحامي بالنقض
تُعد مهنة المحاماة إحدى الدعائم الأساسية لإقامة العدل وسيادة القانون، إذ لا يتصور نظام قضائي عادل دون دفاع مستقل، حر، ومحصّن من أي ضغوط أو اعتداءات. ومن هذا المنطلق، أولى الدستور المصري وقانون المحاماة حماية خاصة للمحامين أثناء تأديتهم رسالتهم، باعتبارهم شركاء للسلطة القضائية في تحقيق العدالة، لا اريد خصومًا لها ولا تابعين لأي سلطة.
غير أن الواقع العملي يشهد، بعض حالات الاعتداءات على السادة المحامين أثناء أداء عملهم، سواء داخل أقسام الشرطة أو المحاكم أو أمام جهات التحقيق، بل وتجاوز الأمر أحيانًا إلى اعتداءات تقع خارج الإطار المهني لمجرد صفة المحامي.
وحدثت اشكالية مؤخرًا في أزمة قائمة بين السادة المحامين ومدير نيابة النزهة، بما يستدعي إعادة التأكيد على الإطار الدستوري والقانوني الحاكم لحماية المحامين أثناء تأدية مهنتهم، وبيان الضمانات الواجبة التطبيق دون انتقاص أو تعطيل.
حسم الدستور المصري الحالي الجدل حول طبيعة مهنة المحاماة، حين نصت المادة (198) منه على أن: “المحاماة مهنة حرة، تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة، وسيادة القانون، وكفالة حق الدفاع، ويمارسها المحامي مستقلاً… ويتمتع المحامون جميعًا أثناء تأديتهم حق الدفاع أمام المحاكم بالضمانات والحماية التي تقررت لهم في القانون، مع سريانها عليهم أمام جهات التحقيق والاستدلال، ويحظر في غير حالات التلبس القبض على المحامي أو احتجازه أثناء مباشرته حق الدفاع.”
ويُستفاد من هذا النص أن الدستور:
1 - أسبغ صفة الشراكة بين المحاماة والسلطة القضائية.
2 - قرر استقلال المحامي كضمانة لازمة لحق الدفاع.
3 - أوجب توفير حماية قانونية خاصة للمحامي أمام المحاكم وجهات التحقيق والاستدلال.
4 - قرر حظرًا دستوريًا صريحًا على القبض أو الاحتجاز أثناء مباشرة حق الدفاع، إلا في حالات التلبس.
وهو ما يجعل أي انتقاص من هذه الضمانات مخالفة دستورية جسيمة، لا مجرد خطأ إداري أو تجاوز مهني.
انسجامًا مع النص الدستوري، جاء قانون المحاماة رقم 17 لسنة 1983 والمعدل بالقانون رقم 147 لسنة 2019 ليضع منظومة متكاملة من الضمانات، تبدأ من تعريف المهنة، ولا تنتهي عند تقرير العقوبات.
أولاً : استقلال المحامي وعدم خضوعه لغير القانون.
نصت المادة (1) من قانون المحاماة على أن “المحاماة مهنة حرة تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة… ويمارس مهنة المحاماة المحامون وحدهم في استقلال ولا سلطان عليهم في ذلك إلا لضمائرهم وأحكام القانون.”
وهذا النص يؤسس لاستقلال مهني كامل، ويقطع الطريق على أي صور للتدخل أو التضييق أو الإكراه.
ثانيا : الحصانة المهنية في إطار حق الدفاع.
قررت المادة (47) من قانون المحاماة مبدأ جوهريًا مؤداه عدم مسؤولية المحامي عما يورده شفهيًا أو كتابيًا مما يستلزمه حق الدفاع.وهو ما يمثل حصانة موضوعية تحمي المحامي من المساءلة بسبب أداء واجبه، طالما التزم بحدود الدفاع.
ثالثاً : حرية قبول التوكيل.
أكدت المادة (48) من القانون كفالة حرية المحامي في قبول أو رفض التوكيل، بما يعزز استقلاله المهني، ويمنع تحويله إلى أداة أو تابع.
رابعا : واجب الاحترام والإجراءات القانونية للمساءلة
نصت المادة (49) على أن يُعامل المحامي بالاحترام الواجب.
ولا يجوز اتخاذ أي إجراء ضده حال وقوع إخلال بالجلسة إلا عبر مذكرة تُحال للنيابة العامة، مع إخطار النقابة.
وهو ما يمنع المواجهة المباشرة أو الإجراءات الفورية التي تمس كرامة المحامي.
خامساً : القيود المشددة على القبض والحبس
جاءت المادة (50) لتقرر: عدم جواز القبض أو الحبس الاحتياطي.
عدم تحريك الدعوى الجنائية إلا بأمر من النائب العام.
عدم جواز نظر الدعوى من ذات الهيئة التي وقع أمامها الفعل.
ثم عززت المادة (50 مكررًا) هذه الحماية أمام جهات الاستدلال والتحقيق، مع إلزامية عرض الأمر على المحامي العام الأول.
سادساً : حماية المكتب المهني
نصت المادة (51) على عدم جواز تفتيش مكتب المحامي أو التحقيق معه إلا بمعرفة النيابة العامة أو قاضي التحقيق، وفي الأحوال التي يجيزها القانون. وهي حماية لمكان ممارسة المهنة ذاته.
سابعاً : المساواة مع أعضاء هيئة المحكمة في الحماية الجنائية.
بلغ المشرّع ذروة الحماية في المادة (54) حين ساوى بين المحامي وعضو هيئة المحكمة في حال الاعتداء، بنصها على معاقبة من يعتدي على محام أثناء أو بسبب ممارسته لمهنته بذات العقوبة المقررة للاعتداء على أحد أعضاء هيئة المحكمة.
استقرت مبادئ محكمة النقض على أن الضمانات المقررة للمحامي مرتبطة بالنظام العام.
أي إجراء يُتخذ بالمخالفة لها يكون باطلًا بطلانًا مطلقًا.
حماية المحامي ليست امتيازًا شخصيًا، بل ضمانة لحق الدفاع ذاته.
وأكدت المحكمة في العديد من أحكامها أن المساس بالمحامي أثناء أداء عمله يمثل مساسًا بسير العدالة.
كل اعتداء يقع على محامٍ: داخل قسم الشرطة أو داخل المحكمة أو بسبب صفته كمحامٍ يشكل جريمة معاقب عليها وفقًا لقانون العقوبات، مقترنة بظرف مشدد طبقًا لقانون المحاماة.
إن النصوص القانونية سالفة البيان ليست شعارات، بل قواعد ملزمة تتضمن آليات محددة وإجراءات واجبة
وجزاءات رادعة.
وعدم تطبيقها يُفرغها من مضمونها، ويُهدر كرامة المهنة، ويقوض ثقة المجتمع في منظومة العدالة.
لكل ما تقدم، فإن حماية المحامين أثناء تأدية عملهم ليست مطلبًا فئويًا، بل ضرورة دستورية وقانونية لصون العدالة وسيادة القانون.
وعليه، نطالب بـ:
1- تأكيد التزام جميع جهات التحقيق والاستدلال بضمانات المحامي.
2- مساءلة كل من يثبت تعديه على محامٍ أثناء أو بسبب عمله.
3- إصدار كتاب دوري من النائب العام ووزير الداخلية بالتنبيه على التطبيق الحرفي للمادة (198) من الدستور وأحكام قانون المحاماة.
فالمساس بالمحامي هو مساس بحق الدفاع، والمساس بحق الدفاع هو مساس بالعدالة ذاتها.





