القمص يوحنا نصيف
مقدّمة
المسيحيّة هي قبل كلّ شيء محبّة..
ماذا لو وصلَت المحبّة لدرجة الصلب والموت؟
ماذا لو دخلت المحبّة معصرة الصليب؟!
هل ستذبل وتضمحلّ، أم تفوح منها رائحة المسيح الزكيّة؟!
الحقيقة أنّ المحبّة إذا ذُبِحَتْ على الصليب، فإنّها تكون قادرة على إقامة الموتى!
القيامة تأتي فقط من خلال المحبّة!
+ + +
الفصل الأوّل:
نشأة الكنيسة الروسيّة
بدأ انتشار الإيمان المسيحي بروسيا في أواخر القرن العاشر حوالي عام 988م، حينما أرسل الأمير فلاديمير حاكم كييف إلى القسطنطينيّة طالِبًا كارزين، لكي يتعلّم هو وشعبه مبادئ الديانة المسيحيّة. وقد سَحَرَتْه صلوات القدّاس الأُرثوذكسي، حين وَجَد فيها الكنيسة وقد صارت قطعة من السماء، فاختار الإيمان الأُرثوذكسي ليكون هو دين شعبه ومدينته.. ومن كييف انتشرَتْ المسيحيّة إلى باقي بلاد روسيا، ووَجدَت فيها أرضًا خصبة، أثمرَت ثمارًا حلوة المذاق!
+ روسيا تحت حُكم التتار:
حوالي عام 1240م، سقطَت كييف في أيدي التتار، فأحرقوا المدن وقتلوا عشرات الألاف من الروس، وأخذوا آلاف العبيد، وفرضوا الجزية على مَن بقِيَ.
على إثر ذلك انتقل مقرّ الكنيسة من كييف إلى فلاديمير، وفي عام 1326 انتقل الكرسي إلى موسكو؛ التي بدأت تزدهر وتأخذ موقع الريادة في روسيا، خاصّةً في عهد الأمير ديمتري الذي قضى على جيوش التتار عام 1481م، وأنقذ روسيا وكنائس أوربّا الشرقيّة بوجه عام من خطر التتار.
شهد القرن السادس عشر ازدهار موسكو، وبدأت كنيسة موسكو تحتلّ مكانة خاصّة وسط الكنائس الأُرثوذكسيّة الشرقيّة، وقد تزامن هذا مع اضمحلال القسطنطينيّة، بعد سقوطها في أيدي الأتراك عام 1453م.
من الناحيّة المادّيّة، كانت الكنيسة الروسيّة لها كلّ أسباب الراحة؛ إذ تمتلك مالاً، وكاتدرائيّات فخمة، وأوانٍ ذهبيّة، وعقارات، وطبَقة كهنة وأساقفة مرفّهة.. لكن هذا الوضع كان سبب تعب للفقراء والضعفاء والمهمّشين، فكانت الكنيسة سببًا في عثرة الكثيرين، بدلاً من أن تكون صورة المسيح الحيّة على الأرض!
من أجل هذا، سمح الله بتدابيره العجيبة ومحبّته الفائقة، أن تدخل هذه الكنيسة المُترَفة إلى معصرة الصليب، لعلّها تعود إلى أصالتها، وتضبط اتّجاهها، وتتنقّى من شوائبها.
+ كيف نَمَت بذور الشيوعيّة والإلحاد؟
في ظلّ هذه المتغيّرات، كان المواطن الروسي العادي يرى انحياز الكنيسة للغَنِي دون الفقير، ولذوي المراكز دون المجهولين. كما كان يُعاني من ظروف اقتصاديّة سيّئة بسبب الإقطاعيّين، وزيادة ساعات العمل وضَعف الأجور، وسوء الأحوال الصحيّة؛ فلم يجد أمامه إلاّ الارتماء في أحضان أصحاب المبادئ الفلسفيّة، الذين وجدوا في الشعب الروسي وعيًا ثقافيّا مُرتفِعًا، وتُربة خصبة لزرع بذور الماركسيّة بسهولة. وبالفعل نَمَتْ الشيوعيّة وسط الطبقة المحرومة، حيث بدَت لهم أنّها كفيلة بتحقيق آمالهم.
بالرغم من التدهور العام لحال الكنيسة، إلاّ أنّها صمدَت أمام الإعصار الشيوعي، لأنّ الله أبقى على الآلاف من النفوس الأمينة، مِن كهنة وشعب يعبدونه بإخلاص، بل وقدّموا بطولات إيمانيّة رائعة، مُحتمِلين الضيقات والعذابات مثل الشهداء والمعترفين الذين عاشوا في عصور الكنيسة الأولى.
(يُتَّبَع)





