الويل لمن شرب شايًا بلبن… وطوبى لمن يبرّر الظلم

الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
يقول الإنجيل: «الويل لمن تأتي منه العَثَرات» (متّى ١٨)، فتستعدّ الأصوليّة فورًا، تشحذ عدستها المكبّرة، وتنزل إلى الشارع لا لتفتّش عن الظلم، بل عن الكوب. كاهن يلعب كرة القدم مع الشباب؟ عَثرة. خادم مدارس الأحد يشرب شايًا باللبن يوم الجمعة مع رفاقه على قهوة الناصية؟ عَثرة مضاعفة.

أمّا حين تُبرَّر القسوة باسم الحكمة، ويُطلَب من الفقير الصبر بدل العدالة، ويُختزل الإنجيل في طقوس نظيفة من دون أيّ التزام تجاه البشر، فهذا ليس عثرة بل «اتّزان»، وليس سقوطًا بل «حكمة رعويّة». الغريب أنّ العَثرة في القراءة الأصوليّة لا تُسقِط أحدًا في اليأس ولا تُفقد إنسانًا ثقته بالله، بل فقط تُربك صورة الخادم المثاليّ في مخيّلة المتديّنين. يسوع، في هذا الإنجيل المُعاد تدويره، لا يغضب لأنّ الصغار يُسحَقون ولا لأنّ الظلم يُبرَّر باسم السماء، بل لأنّ الكاهن لعب كرة ولأنّ الخادم شرب الشاي باللبن.

 لكن المشكلة أعمق من سوء تطبيق آية؛ إنّها سوء فهم جوهريّ لمعنى العَثرة في الإنجيل. العَثرة ليست كسر عادة ولا خرق تقوى شعبيّة، بل كلّ ما يُسقِط الإنسان في اليأس ويقتل الرجاء ويحوّل الإيمان إلى غطاءٍ للظلم. المفارقة اللاهوتيّة الصارخة هي هذه: من يشرب شايًا باللبن «يُعثِر»، ومن يبرّر القهر «حكيم ومتّزن». وهذا انقلاب كامل على منطق الإنجيل، فالويل لا يُوجَّه لمن جلس على القهوة، بل لمن جعل من الدين غطاءً للظلم، ومن الروحانيّة هروبًا من الواقع، ومن اللاهوت خطابًا منزوع الأسنان. أخطر العَثَرات: لاهوت بلا ذاكرة، وروحانيّة بلا عدالة، وإيمان يخاف أن يوسّخ يديه بالواقع.

للإبرة وخزاتٌ أخرى...