بقلم الأب يسطس الأورشليمى
رفع أحد المعلمين الأتقياء عينيه نحو السماء، يسأل الله أن يكشف له عن مكانته ومنزلته في الحياة الأخرى، كانت المفاجأة: إذ سمع صوتاً يقول: أنه سيكون في الفردوس مع أحد الأغنياء، تعجب من ذلك كيف بعد جهاده الروحي منذ طفولته، وتكريس كل طاقاته للدراسة والتعليم، ومع حبه الكبير واهتمامه برعاية الشعب، يبلغ ما يناله رجل غني يعيش في حياة مُرفهة..
التقى المعلم بالرجل الغني، وبدأ يسأله عن حياته الروحية وسلوكه في الحياة، قال له: أنه اعتاد أن يلتقي بأحد القباطنة، حيث يقدم له من حين إلى آخر بعض المجوهرات، والأشياء الثمينة التي يُحضرها إليه من عبر البحار وفي إحدى المرات التقى به، وسأله إن كان قد احضر معه شيئاً ثميناً ليشتريه منه، فقال القبطان: إنه لم يحضر سوى مائتي عبداً يريد أن يبيعهم بعشرة آلاف قطعة ذهبية، شعر الغني أن المبلغ كبير، لكن تحرير مائتي عبداً من بني جنسه أثمن بكثير من الذهب والفضة..
بدون تردّد قدم الغني الذهب واستلم العبيد، وقدم لهم كل احتياجاتهم من مسكن ومأكل ومشرب، بل قام بتزويج بعض الشبان منهم بالشابات، وتحولت المدينة إلى عيد عظيم، لكن لاحظ الغني بين الذين حررهم فتاة جميلة تتسم بالرقة واللطف، فسأل ابنه إن كان يريد أن يتزوجها؟
وافق الابن، وقبلت الفتاة الزواج منه، وأقيم حفل عظيم لخطبة ابن الغني وتهلّل الجميع وفرحوا، لكن في اليوم التالي لاحظ أن أحد الشبان المتحررين في حزن، فسأله عن سبب ذلك، قال له: إنه يشكره لأنه حرره من العبودية هو وكل أخوته وزملائه، لكن أمراً واحداً قد ضايقه، وهو زواج ابنه بالفتاة الجميلة، فقد سبق أن اتفقا على الزواج قبل تحريرهما..
صمت الغني قليلاً، ثم سأله: لماذا لم تخبرني بذلك قبل خطبة ابني؟! أجابه: لقد خجلت فإن أفضالك علينا لا تُقدر بثمن، ولست أظن أن ذهباً أو فضةً يمكن أن يعوضني عن هذه الفتاة، ذهب الغني إلى ابنه يروي له ما حدث، فأعلن الابن عن رغبته في ترك الفتاة، لأنه لا يريد أن يفرح على حساب سعادة غيره، فمن يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل، فذلك خطية له..
أقيمت حفل خطبة الشاب على الفتاة، وتهلّل الغني وابنه وكل من حولهم لفرح الشابين اللذين كانا عبدين وتحررا وتزوجا.
إذ سمع المعلم التقي القصة، قبّل الغني وأدرك انه باتساع قلبه بالحب صار له هذا المركز العظيم في عيني الله، فليضىء نوركم هكذا قدام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويُمجدوا أباكم الذي في السموات، لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون قلبك أيضاً (مت16:5؛ 21:6)..
نجاح دائم بدون فشل !!
اشتاق مؤمن أن يخدم بين قبائل الأفريقية في الجنوب، فترك كل شيء وانطلق إلى هناك يحدثهم عن إنجيل الرب يسوع المسيح..
كان يخلط حديثه بانسكاب أمام الله في صلوات طويلة من اجلهم، ولم تمض فترة قصيرة حتى وُجد أنه أسلم روحه وهو مُنسكب في صلاته وكانت حصيلة خدمته هو قبول سيدة عجوز للإيمان بالمسيح..
تطلع كثيرون إليه كإنسان قد فشل تماماً في مهمته، لكن أحدهم ممن يُدرك قيمة النفس البشرية، سجل كُتيباً صغيراً عن حياة هذا الخادم، وبعد سنوات أقامت الجماعة احتفالاً بمناسبة مرور مائة عام على تأسيس عملهم وقُدم استفتاء بين المؤمنين عن مَن اجتذبهم للإيمان؟!
جاء نتيجة الاستفتاء يكشف عن قبول1300 نسمة قبلوا الإيمان بالمسيح بسبب الكُتيب الذي يتحدث عن حياة هذا الخادم..
لقد بدا الخادم فاشلاً لم يكسب إلا نفساً واحدةً طوال مدة خدمته، لكن الله الذي يستخدم الكثير والقليل، استخدم سيرته لكسب الآلاف، فما قد نحكم عليه بالفشل قد يكون في عيني الله قمة النجاح، ونسمع الصوت المُفرح القائل: نعمّا أيها العبد الصّالح والأمين، كُنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير، ادخل إلى فرح سيّدك، كن أميناً إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة، راجع الكتاب المقدس (مت21:25؛ رؤ10:2)..





