كتب - محرر الاقباط متحدون
إحتفلت البطريركية الأورشليمية يوم الأربعاء الموافق 21 كانون الثاني 2026 (8 كانون ثاني شرقي), بعيد دير الخوزيفا تذكاراً واكراماَ لبانيَي الدير القديسين جوارجيوس ويوحنا الخوزافيين, وتذكاراُ أيضاً لحدث خروج الرب يسوع المسيح الى البرية بعد إعتماده في نهر الأردن ” أَمَّا يَسُوعُ فَرَجَعَ مِنَ الأُرْدُنِّ مُمْتَلِئًا مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، وَكَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ” (لوقا أصحاح 4 عدد 1). يقع هذا الدير على الطريق المؤدي الى مدينة اريحا والبحر الميت في الوادي الذي يسمى وادي قلط.
القديس يوحنا كان أسقفَ قيصاريا في فلسطين أتى الى هذا الوادي للتنسك في القرن الخامس ميلادي, اما القديس جوارجيوس فقد أتى من جزيرة قبرص في القرن السابع ميلادي الذي أعاد ترميم الدير من الأضرار التي لحقت به أثناء الغزو الفارسي عام 614.
نيابة عن صاحب الغبطة البطريرك كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث ترأس سيادة متروبوليت كابيتولياذا كيريوس إيسيخيوس الوكيل البطريركي العام خدمة صلاة السهراينة والقداس الالهي يشاركه المتوحد الأب خريسوستوموس من دير الخوزيفا, الرئيس الروحي لدير النبي اليشع قدس الأرشمندريت ذوسيذيوس, وآباء من كنيسة روسيا وكنيسة رومانيا. وشارك في السهرانية جوقة من المرنمين البيزنطيين الذين وصلوا من اليونان, بالإضافة الى رهبان الدير. كما حضر القداس عدد من الرهبان والراهبات والمصلين الذين أستطاعوا الوصول الى الدير على الرغم من القيود التي فرضتها الشرطة الإسرائيلية.
سيادة المطران القى كلمة صاحب الغبطة عن حياة القديسين جوارجيوس ويوحنا الخوزافيين.
بعد خدمة القداس المسائية أعد الرئيس الروحي الأرشمندريت قسطنطين ورهبان الدير مادبة طعام رهبانية.
كلمة صاحب الغبطة بطريرك المدينة المقدسة كيريوس كيريوس ثيوفيلوس الثالث بمناسبة عيد القديس جاورجيوس الخوزيفي في دير خوزيفا
كلمة البطريرك تعريب : قدس الأب الإيكونوموس يوسف الهودلي
إنَّ صَدَمَاتِ الهَوَاجِسِ لَمْ تُزَعْزِعْ حُصْنَ نَفْسِكَ أَيُّهَا المغبوطُ، فَإِنَّكَ جَعَلْتَ نُسْكَكَ الثَّابِتَ بِمَثَابَةِ سُورٍ لِلدِّفَاعِ، فَحَفِظْتَ نَفْسَكَ مِنْ مُحَارِبِكَ العَدُوِّ الهَائِلِ، سَالِمًا لَمْ يَنَلْكَ ضَرَرٌ أَصْلًا، فَمَثَلْتَ لَدَى سَيِّدِ الكُلِّ مُتَوَّجًا بِإِكْلِيلِ الظَّفَرِ. هٰذَا مَا يَتَفَوَّهُ بِهِ مُرَنِّمُ الكَنِيسَةِ،
أَيُّهَا الآبَاءُ القِدِّيسُونَ، وَالإِخْوَةُ المَحْبُوبُونَ مِنَ اللهِ،
أَيُّهَا المَسِيحِيُّونَ وَالزُّوَّارُ الأَتْقِيَاءُ.
إنّ نِعْمَةَ الرُّوحِ القُدُسِ، الَّذِي نَزَلَ بِهَيْئَةِ حَمَامَةٍ عَلَى يَسُوعَ عِندَ اعْتِمَادِهِ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ عَلَى يَدِ يُوحَنَّا، قَدْ جَمَعَتْنَا جَمِيعًا فِي هٰذِهِ اللَّافْرَا العَظِيمَةِ، لَافْرَا خُوزِيفا، لِكَيْ نُكَرِّمَ الْيَوْمَ التِّذْكَارَ الْمُوَقَّرَ لأَبِينَا البَارِّ القِدِّيسِ جَاوُرْجِيُوسَ، الَّذِي عَاشَ فِيهَا، وَفِي هٰذِهِ اللَّافْرَا نَفْسِهَا مَارَسَ النُّسْكَ بِثَبَاتٍ.
لَقَدِ اسْتَوْلَى العِشْقُ الإِلَهِيُّ عَلَى جَاوُرْجِيُوسَ، فَغَادَرَ وَطَنَهُ الأَبَوِيَّ، لِيفْكَارَا فِي قُبْرُصَ، وَتَوَجَّهَ إِلَى بَرَارِي نَوَاحِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ، حَيْثُ كَانَ يُوحَنَّا المَعْمَدَانُ يَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ، وَحَيْثُ كَانَ المَسِيحُ، الابْنُ الحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرَّ الآبُ، فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يُجَرَّبُ مِنَ الشَّيْطَانِ. وَكَانَ مَعَ الْوُحُوشِ. وَصَارَتِ الْمَلاَئِكَةُ تَخْدِمُهُ. (مر 1 : 13 )
سَمِعَ الحَكِيمُ جُورْجِيُوسُ قَوْلَ يَسُوعَ الْمَسِيحِ «أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فَلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ». (يو٨: ١٢)، فَلَمْ يَكُنْ يَطْلُبُ وَيَسْعَى فَقَطْ إِلَى الطَّرِيقِ، بَلْ أَيْضًا إِلَى الأُسْلُوبِ، كَيْ لَا يَمْكُثَ فِي الظَّلَامِ. لِذٰلِكَ قَالَ المُرَنِّمُ عَنِ المُغَبَّوطِ جُورْجِيُوسَ قَائِلًا: لقَدْ طَهَّرْتَ بِنُسْكَكَ الجَسَدَ الدُّنْيَوِيَّ مِنَ الدَّنَسِ، وَبِمَجَارِي وَفَيْضِ دُمُوعِكَ الَّتِي كَانَتْ كَالْأَنْهَارِ، أَغْرَقْتَ فِيهَا جُحَافِلَ الشَّيَاطِينِ
لقَدْ نَجَحَ البَارَّ جُاورْجِيُوسَ فِي إِغْرَاقِ وَقَهْرِ الشَّيَاطِينِ، مُنْقَادًا بِوَصِيَّةِ القِدِّيسِ الرَّسُولِ بُولُسَ القَائِلَةِ.” أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ، وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ، وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ.”( اف 4 : 22-23 ) لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ “( غلا 3 : 27 )
فَهٰذَا كَانَ هو بالتحديد شَّوْقُ وغايةُ المغبوطِ جُاورْجِيُوسَ. فَمِنْ جِهَةِ التَّجْدِيدِ الَّذِي يَتِمُّ فِينَا بِالرُّوحِ الْقُدُسِ السَّاكِنِ فِي أَذْهَانِنَا، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى لِبْسُ الإِنْسَانِ الْجَدِيدِ، الإِنْسَانُ الْجَدِيدُ، الْمَخْلُوقُ بِحَسَبِ اللهِ. وَمِنَ الْجَدِيرِ بِالذِّكْرِ هُنَا تَفْسِيرُ الْقُدِّيسِ فُوتِيُوسَ الْكَبِيرِ: لَسْنَا مُحاطِينَ خَارِجِيًّا كَالثَّوْبِ بِالْمَسِيحِ وَالرُّوحِ، بَلْ قُلُوبُنَا وَأَفْكَارُنَا وَوُجُوهُنَا مُمتَلِئَةً من النُّورِ وَالنِّعْمَةِ.
وَهَذِا الْمِلْءُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ كَانَ أَيْضًا لِلْقُدِّيسِ أَوَّلِ الشُّهَدَاءِ اسْتِيفَانُوسَ، حَسَبَ شَهَادَةِ الإِنْجِيلِيِّ لُوقَا عَنْهُ. “وَأَمَّا اسْتِيفَانُوسُ فَشَخَّصَ إِلَى السَّمَاءِ وَهُوَ مُمتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ، فَرَأَى مَجْدَ اللهِ، وَيَسُوعَ قَائِمًا عَنْ يَمِينِ اللهِ (أَعْمَال 7:55). وَكَذَلِكَ حَدَثَ لِلْقُدِّيسِ بُولُسَ عِنْدَ اهْتِدَائِهِ قَائِلًا: «فَحَدَثَ لِي وَأَنَا ذَاهِبٌ وَمُتَقَرِّبٌ إِلَى دِمَشْقَ أَنَّهُ نَحْوَ نِصْفِ النَّهَارِ، بَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلِي مِنَ السَّمَاءِ نُورٌ عَظِيمٌ» (أَعْمَال 22:6).
إنَّ نُسُكَ الرُّهْبَانِ لَا يَهْدِفُ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ سِوَى اكْتِسَابِ النُّورِ المُقَدَّسِ لِلرُّوحِ القُدُسِ، الَّذِي بِهِ يدْخُلُ المَرْءُ إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. وَهَذَا مَا عَبَّرَ عَنْهُ الرَّبُّ نَفْسُهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِيُوحَنَّا المَعْمَدَانِ قَائِلاً: وَمِنْ أَيَّامِ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ إِلَى الآنَ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ يُغْصَبُ، وَالْغَاصِبُونَ يَخْتَطِفُونَهُ. (متى 11: 12) ويَقُولُ القديس بَاسِيليُوسُ الْكَبِيرُ فِي تَفْسِيرِهِ لِهَذِهِ الْقولِ: «مَنْ هُوَ حَيُّ الرُّوحِ، وَمُتَشَوِّقٌ ومتلهفٌ لِأَعْمَالِ التَّقْوَى، وَمُزْدَهِرٌ فِي كُلِّ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، هذا يصِفُهُ الْإِنْجِيلُ بِأَنَّهُ “مُغْتَصِبٌ”
كانَ أَبُينَا الْبَارُّ جُورْجِيُوسُ مُغْتَصِبًا وَمُخْتَطِفًا لِمَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، كَمَا يَقُولُ الْمُرَنِّمُ عَنْه: لَقَدْ رَفَضْتَ كُلَّ مُطَرِّبَاتِ الدُّنْيَا وَاهْتِمَامَاتِ الْحَيَاةِ، أَيُّهَا الأَبُ الْبَارُّ جُورْجِيُوسُ، مِنْ أَجْلِ مَجْدِ السَّمَاوَاتِ. فَنَسَكْتَ بِقَسْوَةٍ، وَأَخْمَدْتَ بِكَثَافَةِ دُمُوعِكَ لَهِيبَ الأَهْوَاءِ، فَأَصْبَحْتَ زِينَةَ جَمَالِ الْمُتَوَحِّدِينَ. فَامْنَحْ مُكَرِّمِيكَ الِاسْتِنَارَةَ، وَاجْعَلْهُمْ مُشَارِكِينَ فِي النَّعِيمِ الإِلَهِيِّ”
إنَّ هٰذِهِ الِاسْتِنَارَةَ وَهٰذِهِ الشَّرِكَةَ الإِلَهِيَّةَ يَمْنَحُنَا إِيَّاهُمَا عِطْرُ رُفَاتِهِ الْمُقَدَّسَةِ الْمَحْفُوظَةِ، وَكَذٰلِكَ الْمَوْضِعُ الْقَرِيبُ مِنْ رُقَادِهِ، أَيْ قَبْرُهُ. وَإِنَّ هٰذَا الْحَدَثَ بِعَيْنِهِ يُبَرْهِنُ بِوُضُوحٍ تَامٍّ غَايَةَ خَلَاصِ الإِنْسَانِ، أَيْ سِرَّ التَّدْبِيرِ الإِلَهِيِّ، الَّذِي تَمَّ بِطَرِيقَةٍ تَفُوقُ الْوَصْفَ فِي أَحْشَاءِ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمَ، كَمَا يَشْهَدُ لِذٰلِكَ بِأَوْضَحِ بَيَانٍ الْمُرَنِّمُ الْكَنَسِيُّ قَائِلًا: إِنَّ اللهَ، إِذْ أَرَادَ أَنْ يُؤَلِّهَنِي كُلِّي، اتَّحَدَ بِكِ كُلُّهُ، وَمَا كَانَ غَيْرَ مُدْرَكٍ صَارَ سِرًّا مُتَجَدِّدًا لِلْجَمِيعِ. تَلِدِينَ وَأَنْتِ عَذْرَاءُ بدون فسادٍ، وَيُرَى اللهُ فِي الْجَسَدِ. لِذَلِكَ، وَنَحْنُ نُكْرِمُك، ونُطَوِّبُكِ الآنَ، يَا مَرْيَمُ، كَمَا تَنَبَّأْتِ أَنْتِ بنَفْسُكِ.
إِنَّ سِرَّ الْاتِّحَادِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ حَقًّا، أَيْ سِرُّ اتِّحَادِ اللَّهِ بِالْإِنْسَانِ، تُبَشِّرُ بِهِ كَنِيسَةُ الْمَسِيحِ الْمُقَدَّسَةِ، وَذَلِكَ بِوَاسِطَةِ قدِّيسِيهَا، وَلَا سِيَّمَا بِوَاسِطَةِ نُسَّاكِ الْبَرِّيَّةِ، مِثْلَ مَنْ نُكَرِّمُهُ الْيَوْمَ، الْقُدِّيسِ جَاوُرْجِيُوسَ، وَمَعَهُ الْآبَاءُ النُّسَّاكُ، قدِّيسِي لَافْرَا خُوزِيبَا: يُوحَنَّا وَيُوحَنَّا الْجَدِيدُ مِنْ رُومَانِيَا.
فَإِنَّنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ الأَحِبَّاءُ، لِنَسْمَعْ صَوْتَ الْقِدِّيسِينَ، الَّذِينَ نُحْيي ذِكْرَاهُمْ فِي هذِهِ اللَّافْرَا الْمُقَدَّسَةِ، وَهُمْ يَقُولُونَ:” لَقَدِ اقْتَبَلَتِ الاسْتِنَارَةُ وَظَهَرَ الْفدَاءُ فِي الْأُرْدُنِّ، فَهَلْ نَجْتَمِعُ لِنَتَطَهَّرَ وَنُعِيدَ مَعًا بِبَهْجَةٍ.




