القمص يوحنا نصيف
    منذ حوالي 40 سنة، وبالتحديد في أواخر عام 1985م، تأثَّرتُ للغاية عندما قرأت كتاب "العذاب الأحمر"؛ واسمه الأصلي باللغة الإنجليزيّة التي صدر بها هو: Tortured for Christ والمعنى الحرفي  لعنوان الكتاب هو "مُعَذَّب من أجل المسيح"، أو "مُعَذَّبون من أجل المسيح". المؤلّف هو قس إنجيلي لوثري من رومانيا -من أصل يهودي- اسمه ريتشارد ووارمبراند Richard Wurmbrand، وُلِد عام 1909م، واهتدَى للإيمان بالمسيح عام 1938م.

    هذا الرجل تمّ سجنه وتعذيبه بفظاعة في السجون الشيوعيّة برومانيا من أجل إيمانه المسيحي لمدّة حوالي 14 سنة، على فترتين. وأخيرًا في أواخر الستّينيّات من القرن الماضي تمّ السماح له بالسفر إلى الغرب، فاستوطن في الولايات المتّحدة الأمريكيّة.

    وعلى الرغم من التهديد والوعيد بالقتل -من قِبَل السلطات الشيوعيّة- إذا تحدّث عمّا اجتاز فيه داخل السجن، إلاّ أنّه كتب ونشر بشجاعة عِدّة كُتب لكي يكشف فيها تفاصيل كثيرة بخصوص الذي حدث له، وكان مستمرًّا في الحدوث داخل السجون الشيوعيّة وراء الستار الحديدي، كما كانوا يُسمُّون منطقة البلاد الشيوعيّة بأورُبا الشرقيّة في ذلك الوقت، قبل انهيار الشيوعيّة في بداية التسعينيّات من القرن الماضي.

    هذا الكتاب صدرت أوّل طبعة منه في عام 1967م، وحقّق مبيعات تجاوزت العشرة ملايين نسخة على مدى سنوات طويلة، وتمّ ترجمته إلى العديد من لغات العالم. والحقيقة أنّه صَدَمَ الغربَ صدمةً هائلة، إذ ساعد على كشف شرور النظام الشيوعي، وتحريك عشرات الآلاف من القلوب في الغرب لمساعدة المسيحيّين المؤمنين داخل سجون البلاد الشيوعيّة، فتمّ تأسيس منظّمة بأمريكا تحت اسم "صوت الشهداء" "The Voice of the Martyrs"، وهذه المنظّمة لا تزال نشيطة في خدمة كلّ المسيحيّين المضطَهَدين على مستوى العالم، حتّى بعد وفاة ريتشارد ووارمبراند في عام 2001م. وجدير بالذِّكر أنّ الكتاب قد تحوّل إلى فيلم سينيمائي صدر في عام 2018م.

    الحقيقة أنّ هذا الكتاب طَبَعَ في قلبي أثرًا لا يُمحَى، إذ رأيت فيه صورة مُفرحة للكنيسة المتألمة الشاهدة للمسيح المحبوب رغم كلّ الصعوبات والتحدّيات، وقد تجلّت في وقائع الكتاب المَحبّة العذبة التي تقدِّمها النفوس الأمينة لعريسها الإلهي الأبرع جمالاً من بني البشر. فما كان مِنّي إلاّ أنّي حكيتُ الكثير من القصص الواقعيّة التي جاءت فيه للفتيان في مدارس الأحد، في ذلك الوقت.

    وعندما أعدتُ قراءته عدّة مرات جاءتني فكرة كتابة بعض القصص الحيّة منه في مجلة "صوت الراعي"، التي كنت مسؤولاً عن إصدارِها في ذلك الوقت، وقد أرشدني الله لوضع هذه القصص تحت مُسَمَّى "حكايات إيمانية معاصرة" لتضمّ قصصًا من هذا الكتاب مع قصص أخرى معاصرة لتقوية الإيمان بالمسيح. وقد طُبِعَت أغلب هذه القصص فيما بعد في كتيبات صغيرة بنفس العنوان "حكايات إيمانية معاصرة" صدر منها عِدّة أجزاء.

    وفي بداية التسعينيّات، بدأت تتبلور في ذهني فكرة إصدار بحث أُشير فيه لبعض قصص الاحتمال والصبر العظيم التي اجتازها أولئك الشهداء والمُعتَرفون الجُدد داخل السجون الشيوعيّة، وكيف عبّروا عن محبّتهم للمسيح حتّى النفس الأخير، ففاحت رائحة المسيح الزكيّة منهم.. وهكذا، وفي خلوة بدير الأنبا بيشوي في يوليو 1992م، انتهيت بنعمة المسيح من كتابة هذا البحث في صورته النهائية، وقد أعطيته اسم "رائحة الحُب – أضواء على جهاد الكنيسة داخل البلاد الشيوعيّة". وبعد عِدّة سنوات فكّرتُ في طباعة ذلك البحث بعد تنقيحه في كتاب، وبالفِعل تمّ هذا في يناير عام 1999م، حين صدرت طبعته الأولى والوحيدة، والتي نَفَذَتْ بسرعة.

    والآن رأيتُ أن أعيد نشر أجزاء من هذا الكتاب "رائحة الحُب"، في شكل سلسلة من سبعة مقالات متتالية، راجيًا من سيدي يسوع المسيح رئيس الإيمان ورأس الكنيسة أن يجعلها سبب بركة لنفوس كثيرة، ومعينًا قويًا لانتشال الذين يعيشون في الفتور والاهتمامات الجسدانيّة من أوضاعهم، وإشعال قلوبهم مرة أخرى بحُبّ يسوع!

(يُتَّبَع)
القمص يوحنا نصيف
يناير 2026م