د. سامح فوزى
في كتابات الراحل الدكتور مراد وهبة حديث دائم عن أهمية نقل الفلسفة إلى رجل الشارع، ونظم مؤتمرًا بهذا الخصوص، شهد مفارقات وجدلا، ولعله أراد بذلك أن يلفت الانتباه إلى أهمية إنارة ذهن الجمهور العام، وهو ما يمثل نقيضًا لحالة أخرى يمكن أن نسميها «احتجاز المعرفة» عن الجمهور. وأعنى بذلك أن تصبح المعرفة حكرًا على مجموعة صغيرة في المجتمع، يٌطلق عليها أحيانا مصطلح النخبة، أو الجماعة الاكاديمية، أو المثقفين تتداولها فيما بينها في غرف مغلقة، ومؤلفات محدودة، وحوارات ضيقة، ويستخدمون لغة لا يفهمها الناس. وإذا وجد مثقف مشهور، فهو فقط ذو شهرة في أوساط النخب، وليس الجمهور، ومن استطاع اختراق الحواجز، والتواصل العميق مع رجل الشارع فهو يمثل استثناءً، ويرجع ذلك إلى امتلاكه مهارات وخبرات خاصة، وتجربة في المشاركة العامة.
في كتابات الراحل الدكتور مراد وهبة حديث دائم عن أهمية نقل الفلسفة إلى رجل الشارع، ونظم مؤتمرًا بهذا الخصوص، شهد مفارقات وجدلا، ولعله أراد بذلك أن يلفت الانتباه إلى أهمية إنارة ذهن الجمهور العام، وهو ما يمثل نقيضًا لحالة أخرى يمكن أن نسميها «احتجاز المعرفة» عن الجمهور. وأعنى بذلك أن تصبح المعرفة حكرًا على مجموعة صغيرة في المجتمع، يٌطلق عليها أحيانا مصطلح النخبة، أو الجماعة الاكاديمية، أو المثقفين تتداولها فيما بينها في غرف مغلقة، ومؤلفات محدودة، وحوارات ضيقة، ويستخدمون لغة لا يفهمها الناس. وإذا وجد مثقف مشهور، فهو فقط ذو شهرة في أوساط النخب، وليس الجمهور، ومن استطاع اختراق الحواجز، والتواصل العميق مع رجل الشارع فهو يمثل استثناءً، ويرجع ذلك إلى امتلاكه مهارات وخبرات خاصة، وتجربة في المشاركة العامة.
وتشير الخبرة التاريخية إلى أن المشروعات السياسية أو الفكرية التي استهدفت الجمهور العام استطاعت أن تحقق مراميها، حتى وإن كانت سطحية أو أصابها تعثر، لكنها تبقى، وتطور نفسها. مثال على ذلك التيارات الإسلامية، باختلاف تشكيلاتها واسمائها، فقد اتسمت بالقدرة على تجديد أدواتها، من خطابات منبرية، وشرائط الكاسيت، إلى الانتقال إلى الفضاء الرقمي. ورغم بنائها الفكري الهش، واعتمادها على الحشد والتنظيم والعنف، إلا أنها نجحت في إيجاد أنصار ومؤيدين عن طريق أساليب غير حداثية مثل السمع والطاعة، وغياب التفكير النقدي، واختراق بنية المجتمعات، ليست فقط الفقيرة والمهمشة، ولكن أيضا أبناء الطبقة الوسطى، والفئات الموسرة، كل بخطاب مختلف.
ولم يقتصر الأمر على التنظيمات الإسلامية، بل امتد إلى مجالات أخرى، ظهرت فيها قيادات لديها قدرات واسعة على مخاطبة الجمهور العام سواء في الأوساط الدينية، أو السياسية، أو الشعبية، واستطاعت أن تؤثر في رجل الشارع، إلى حد أنها رحلت منذ سنوات بعيدة، ولا يزال تأثيرها مستمرًا، ومؤلفاتها يُعاد طباعتها، ويُقبل عليها العامة، وهي الأفضل مبيعًا بين الكتب، ويعاد الآن انتاج جانب منها بتقنيات الذكاء الاصطناعي، تشمل أحاديثهم، وأقوالهم المأثورة، والعبارات المؤثرة التي وردت على السنتهم. ورغم أن الكثير منهم تعرض للنقد في حياته ومماته، إلا أن النقد الموجه لهم ظل «نخبويا» محدودًا، بينما التأييد المشحون بالعاطفة تجاههم لا يزال «جماهيريًا» عريضًا.
في هذا السياق أيضا، فإن أصحاب بعض الأعمال الفنية، التي نٌظر إليها على أنها «هابطة» و«غير لائقة»، على مدار عقود، وجدت متابعة جماهيرية واسعة النطاق، وإذا لجأنا إلى لغة الأرقام، سوف نجد أن عشاق فنهم أكثر اتساعًا من المتابعين لما يطلق عليه الفن الأصيل أو الراقي، وهي ظاهرة امتدت الآن إلى وسائل التواصل الاجتماعي، التي تعج بشخصيات مؤثرة، لها جمهور واسع، ومضمون تافه، وتستغرب في اللقاءات التي تجرى مع تلك الشخصيات على الانترنت من مدى ضحالتها، وعدم قدرتها على التعبير البسيط الصحيح عن نفسها. يراهن هؤلاء وغيرهم على ما نسميه الآن «التريند»، الذي يعني ببساطة مقياس جماهيرية الشخص.
إذا كان الحال كذلك، فلماذا لا يزال بعض المثقفين يحتجزون المعرفة، ولا يتحدثون إلى رجل الشارع؟.
قد تتعدد الإجابة عن السؤال، إما للشعور بالاستعلاء على الجمهور العام، الذي يعد في نظرهم غير مؤهل، أو لعدم قدرتهم على مخاطبة اهتمامات الناس، والتواصل معهم باللغة التي تناسبهم. النتيجة واحدة، وهي غياب التأثير على الناس، الذين ينبغي أن يكونوا أولا حسب تعبير أستاذ التنمية الشهير «روبرت تشامبرز»، واللافت للنظر، أن عددا من المؤمنين بأفكار الدكتور مراد وهبة، والذين يعلنون انتسابهم إلى مدرسته الفكرية، يكتبون بلغة لا تناسب رجل الشارع، ويطرحون عليه مصطلحات لا يفهمها، وإذا أراد تفسير معناها يطرق أبواب الرافضين لها، ويحصل على آراء مشوهة بشأنها، مثل مصطلح «العلمانية»، الذي يصر عليه البعض، ولا يفهمه الناس، وإذا فهموه يكون من منطلق «الأصولية الدينية»، والتي تشهر به باعتباره تعبيرا عن اللا دينية، أو اقصاء الدين عن الحياة، وغيرها من النظرات المبتسرة للمفهوم.
من هنا، إذا أراد أصحاب المعرفة الحقيقيين كسب معركة الاستنارة والوعي، عليهم أن يطوروا خطاباتهم، وأدوات تفاعلهم مع الجمهور العام، الذي يعاني التراجع الثقافي، وضعف المشاركة، وغياب التفكير النقدي. أضف إلى ذلك حالة التشوش الفكري التي انتجتها التيارات المتطرفة على مدار عقود، على نحو جعل رجل الشارع يتبنى فهما دينيا منغلقا ومتشددا في حياته اليومية. وبينما ينشغل عامة الناس بأمور شكلية، وكثير منها تافه، ويجدون من يتحدث معهم في تلك التفاهات، ولاسيما في الفضاء الالكتروني، يتبنى المثقفون خطابات فوقية عن قضايا مجردة لا تجد فهما أو صدى عند الجمهور العام، ثم نأتي بعد ذلك ونتساءل: لماذا لا يتطور المجتمع ثقافيا؟.
نقلا عن الاهرام





