محمد نبيل المصري
أوضح تقرير World Giving Report 2025 الصادر عن مؤسسة Charities Aid Foundation (CAF) البريطانية أن حجم العمل الخيري على مستوى العالم يبلغ نحو 1.5 تريليون دولار سنويًا، فيما وصلت قيمة التبرعات في مصر وحدها إلى قرابة 4.5 مليار دولار سنويًا. هذه الأرقام تكشف عن جانب أصيل في شخصية المصريين، وهو روح العطاء والتكافل التي شكّلت ملامح المجتمع المصري منذ آلاف السنين.
⸻
العطاء كجزء من الهوية الحضارية
الشعب المصري عبر تاريخه الطويل عرف أن البقاء لا يكون إلا بالتعاون. ففي مصر القديمة تجسدت روح العمل الجماعي في بناء المعابد والأهرامات، ثم واصلت الأوقاف الإسلامية والمسيحية دورها في تمويل التعليم والصحة وخدمة المجتمع. واليوم، يظهر هذا البعد الحضاري في صورة حديثة عبر الجمعيات الخيرية والتبرعات الفردية والمؤسساتية، التي تمثل استثمارًا مباشرًا في صحة المجتمع وتعليمه وتنميته.
أين يذهب العمل الخيري في مصر؟
التبرعات التي ينفقها المصريون تتوزع على عدة مجالات حيوية:
1. الصحة
بناء وتجهيز مستشفيات خيرية كبرى مثل مستشفى 57357 ومؤسسة مجدي يعقوب.
• دعم علاج أمراض خطيرة (السرطان، الفشل الكلوي، فيروسات الكبد).
• شراء الأدوية والأجهزة الطبية للفئات المحتاجة.
2. التعليم والتنمية البشرية
• إنشاء مدارس مجتمعية في القرى.
• تقديم منح دراسية.
• مشروعات لمحو الأمية.
3. دعم الأسر الفقيرة والأيتام
• كفالة الأيتام وتقديم مساعدات غذائية شهرية.
• مشروعات صغيرة لتمكين الأسر اقتصاديًا.
4. الإسكان والبنية الأساسية
• بناء منازل جديدة للأسر غير القادرة.
• تحسين شبكات مياه الشرب والصرف الصحي في الريف.
5. الإغاثة والطوارئ
• دعم المتضررين من الكوارث الطبيعية والحوادث.
⸻
البُعد الخارجي: مصر وغزة نموذجًا
لم يقتصر العطاء المصري على الداخل فقط، بل امتد إلى الخارج، وفي المقدمة غزة التي لطالما اعتبرها المصريون جزءًا من وجدانهم.
• ساهمت التبرعات الشعبية في إرسال قوافل غذائية وطبية عبر جمعيات كبرى مثل الهلال الأحمر المصري وبنك الطعام.
• حملات مجتمعية جمعت ملايين الجنيهات لتوفير أدوية ومستلزمات طبية للجرحى.
• إلى جانب التبرعات الشعبية، قامت الدولة المصرية عبر مؤسساتها الرسمية بإرسال مساعدات ضخمة من الغذاء والدواء والوقود.
وبذلك، فإن الرقم المذكور في تقرير CAF (4.5 مليار دولار) يعكس الإنفاق الخيري الداخلي بالأساس، بينما أنفقت الأسر المصرية والجمعيات الشعبية مبالغ إضافية لدعم غزة، قد لا تدخل كلها في الحسابات الرسمية للتقرير، لكنها تعكس تضامنًا إنسانيًا وسياسيًا عميقًا.
⸻
الخلاصة
المجتمع المصري اليوم يواصل خطًّا حضاريًا ممتدًا منذ آلاف السنين، يقوم على التكافل والتعاون. فكما بُنيت الأهرامات بالجهد الجماعي، تُبنى اليوم المدارس والمستشفيات بنفس الروح. وكما حفظت الأوقاف في الماضي كرامة المجتمع، تحفظه اليوم الجمعيات والمؤسسات الخيرية. والأهم أن هذا العطاء لم يقتصر على الداخل، بل تجاوز الحدود ليصل إلى غزة، حيث قدّم المصريون تضحيات مادية ومعنوية تعكس أن العطاء عند المصريين ليس صدقة فحسب، بل هو تعبير عن الانتماء والإنسانية والمصير المشترك.





