الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
ملاحظات من واقعنا
منذ بضع سنوات، بات يتردّد داخل الكنائس في بلدانٍ كثيرة شعارٌ لافت، لا بوصفه موضة لاهوتيّة، بل "بوصفه إعلان مواجهة". مواجهة مع طريقةٍ شائعة في استخدام الكتاب المقدّس تُقصي أمرين جوهريَّين:
أوّلًا: السؤال عن "الأوضاع الاقتصاديّة والصراعات السياسيّة" التي كُتبت فيها نصوص الكتاب المقدّس؛
وثانيًا: السؤال عن "الظروف المادّيّة والمصالح السياسيّة" للذين يقرؤون هذه النصوص اليوم ويفسّرونها.
من دون هذين السؤالين، تتحوّل القراءة إلى فعلٍ بريء في الظاهر، لكنّه في العمق "فعلٌ أيديولوجيّ مقنَّع".
القراءة "السماويّة" بصفتها آليّة نزع تجسّد
في السياق المصريّ، علي سبيل المثال، تُقدَّم قراءةٌ "روحيّة تقويّة" للكتاب المقدّس تُصرّ على فصله عن الأرض، وعن التاريخ، وعن الجسد. فيُختزل النصّ إلى تعزيةٍ فرديّة، أو وصايا أخلاقيّةٍ مجرّدة، أو دعوةٍ دائمة إلى الصبر والطاعة.
بهذا المعنى، لا تُنكر هذه القراءة الكتاب المقدّس، بل "تفرّغه من خطورته". إنّها قراءة تُحافظ على اللغة الدينيّة، لكنها تُلغي التجسّد، أي تُلغي الفكرة المركزيّة في الإيمان المسيحيّ نفسه: أنّ الله دخل التاريخ، لا ليباركه كما هو، بل ليقلب موازينه.
٢. نصٌّ بلا سياق = نصٌّ بلا مقاومة
الكتاب المقدّس كُتب في قلب صراعات:
احتلالٌ، عبوديّة، فقر، نفي، قمع دينيّ وسياسيّ. لكنّ القراءة المروحَنة والمروحِنة تفصل النصّ عن هذه الخلفيّة، وتتعامل معه كأنّه نزل جاهزًا من فوق، بلا دم، ولا عرق، ولا خوف.
في العالم الناطق بالعربيّة، حيث يُطلب من المؤمن ألّا "يتدخّل"، وألّا "يفهم زيادة"، وألّا "يربط الدين بالواقع"، تُستخدم هذه القراءة لإنتاج مسيحيٍّ صالح:
مؤمن، متديّن، متألّم… لكن "غير مُزعِج" للواقع الذي يحتاج إلى تغيير.
٣. من لا يَسأَل عن موقعه، يخدم موقعًا
القراءة غير المحايدة تبدأ بسؤال مُربك:
مَن أنا حين أقرأ؟
ما موقعي الطبقيّ؟
ما خوفي؟
ما علاقتي بالسلطة؟
ما امتيازاتي أو هشاشتي؟
القراءة التقويّة في مصر بشكلٍ خاصّ تتصرّف كأنّ القارئ "خارج الصراع"، بينما هو في الحقيقة "داخله، شاء أم أبى". ومَن يرفض تسمية انحيازه، ينتهي غالبًا بخدمة الانحياز الأقوى.
٤. التجسّد معيار الفهم
أي قراءة لا تُعيد النصّ إلى الجسد، وإلى الأرض، وإلى صرخة الإنسان المكسور، هي قراءة تخون التجسّد. وأي لاهوت لا يُزعج، لا يُقلق، لا يفتح أسئلة عن الظلم، هو لاهوتٌ مُروَّض ولاهوت للتدجين.
الكتاب المقدّس ليس كتاب هروب إلى السماء، بل شهادةٌ عن إله "لم يظلَّ سماويًّا فقط، لقد تجسّد وصار إنسانًا.
أن نقرأ الكتاب المقدّس قراءة غير محايدة، يعني أن نكسر وهم البراءة، وأن نرفض نزع التجسّد عن النصّ، وأن نسأل دائمًا:
لصالح مَن تُقال هذه القراءة؟
ومَن يُطلب منه أن يصمت باسمها؟
القراءة التقويّة التي تفصل السماء عن الأرض لا ترفع الإنسان، بل تتركه وحيدًا على الأرض… باسم الله.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
للإبرة وخزاتٌ أخرى:
مرجع:
Schirmer, Dietrich (Hrsg.): Die Bibel als politisches Buch, Stuttgart u. a. 1982.





