د.ماجد عزت إسرائيل

  
يعد كوامي نكروما (1909 إلى 1972) واحدا من أبرز قادة التحرر الوطني في إفريقيا في القرن العشرين. ارتبط اسمه ببزوغ غانا الحديثة، وبحلم الوحدة الإفريقية الذي شغل الكثير من قادة القارة بعد الحرب العالمية الثانية. قاد نكروما حركة الاستقلال في ساحل الذهب التي أصبحت غانا، وبرز كزعيم لحزب مؤتمر الشعب، ودفع ثمن نشاطه السياسي اعتقالا متكررا، لكنه عاد في كل مرة أكثر تأثيرا وحضورا، حتى قاد البلاد خطوة خطوة نحو الاستقلال.
 
في 6 مارس 1957 أُعلن استقلال غانا، ثم صارت جمهورية في 1 يوليو 1960 وانتُخب نكروما أول رئيس لها. تبنى توجها اشتراكيا وركز على بناء الدولة الحديثة عبر التعليم والتصنيع وتوسيع دور الدولة، غير أن نزعة سلطوية داخل الحكم أثارت معارضة داخلية، وازدادت حدة الصراع السياسي مع مرور الوقت. وعلى المستوى القاري كان نكروما من أهم دعاة الوحدة الإفريقية، وعمل على تقوية التعاون بين دول القارة وساهم في تأسيس منظمة الوحدة الإفريقية، واضعا مشروعه التحرري ضمن إطار أوسع يتجاوز حدود غانا.
 
لكن مسيرته السياسية انتهت بانقلاب عسكري في 24 فبراير 1966 أثناء وجوده خارج البلاد. عاش في المنفى، خاصة في غينيا، وظل يدعو إلى مشروعه الوحدوي والتحرري، قبل أن يتوفى في رومانيا يوم 27 أبريل 1972، ثم أُعيد جثمانه إلى غانا في جنازة رسمية. وترك نكروما مؤلفات فكرية وسياسية مؤثرة مثل أتكلّم عن الحرية، ويجب أن تتحد أفريقيا، والاستعمار الجديد، وسيرته الذاتية غانا، وكتاب صراع الطبقات في إفريقيا.
 
وسط هذه السيرة السياسية الثقيلة، تظهر قصة إنسانية شديدة الخصوصية، لكنها تحمل في طياتها دلالات سياسية وثقافية واضحة. إنها قصة فتحية رزق، التي عُرفت شعبيا بلقب عروس النيل، والتي أصبحت زوجة أول رئيس لغانا، لتتحول حياتها من شابة مصرية تنتمي لحي الزيتون إلى سيدة أولى في دولة إفريقية فتية تبحث عن مكانها بين الأمم.
 
فتحية رزق من مواليد 1932، وتنتمي والدتها إلى عائلة بطرس باشا غالي. ووفق روايات متداولة، التقى بها نكروما أثناء إحدى زياراته للقاهرة لأول مرة في بنك مصر حيث كانت تعمل، فأعجب بها، ثم رآها مرة ثانية صدفة في رئاسة الجمهورية بعد انتقالها للعمل هناك مترجمة للغة الفرنسية، وعرض عليها الزواج. لم يكن القرار سهلا على الأسرة، إذ رفضت والدتها في البداية خشية أن تتركها وتسافر بعيدا إلى غانا. وتذكر الروايات نفسها أن الرئيس جمال عبد الناصر والسيدة حرمه تدخلا لدى الأسرة لطمأنتهم، مع وعود بوجود خط طيران مباشر بين مصر وغانا، وتأسيس سفارة مصرية ترعى مصالح المصريين هناك.
 
تم الزواج بالفعل وسافرت فتحية إلى غانا، لتبدأ مرحلة جديدة تماما في حياتها. أنجبت ثلاثة أبناء، من بينهم جمال نكروما الذي عمل محررا للشؤون الدولية بجريدة الأهرام، وقد سمّاه نكروما جمال نسبة إلى الرئيس جمال عبد الناصر، في إشارة رمزية إلى عمق العلاقة السياسية والمعنوية التي كانت تربط القاهرة بحركات التحرر في إفريقيا.
 
غير أن السياسة لا تمنح الاستقرار طويلا. بعد وقوع الانقلاب العسكري الذي أطاح بنكروما في غانا، وكان وقتها متواجدا في الصين، تروي الأسرة أن فتحية اتصلت بالرئيس عبد الناصر ووصفت له حالة الرعب التي عاشوها في القصر الرئاسي، فأرسل طائرة خاصة أقلتهم إلى القاهرة. نزلوا في قصر الطاهرة إلى أن أُعد لهم مسكن في حي المعادي، وبقيت الأسرة هناك فترة طويلة. ثم رحل نكروما عام 1972 متأثرا بالسرطان وكان يتلقى العلاج في رومانيا، ودُفن في غانا في جنازة رسمية.
 
أما فتحية رزق فبقيت في بيت المعادي حتى رحيلها. وتذكر الرواية المتداولة أنه مع إصرار الرئيس الغاني جون كوفور تم دفنها في غانا بجوار قبر زوجها، كما ترأس قداس الجنازة في الكاتدرائية البابا شنودة الثالث. بهذه النهاية اكتملت الدائرة التي بدأت من القاهرة وانتهت في أكرا، لتبقى فتحية رزق شاهدا على حكاية استثنائية جمعت بين الحب والسياسة والمنفى، وبين مصر وإفريقيا في زمن كانت فيه الأحلام الكبرى تتشكل من جديد.
في النهاية، ليست قصة نكروما وفتحية مجرد تفصيل اجتماعي في سيرة رئيس، بل نافذة على لحظة تاريخية كانت فيها القاهرة محطة رئيسية في مسار التحرر الإفريقي، وكانت العلاقات الإنسانية جزءا من بناء الجسور بين الشعوب والدول. قصة تبدأ بفتاة من الزيتون، وتنتهي باسم محفور في ذاكرة غانا، وفي ذاكرة كل من يبحث عن الحكايات التي تمزج الإنسان بالتاريخ.