الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ

إنّ الاعتراف بأنّ يسوع "هو الربّ" ليس عبارة تقويّة بريئة ولا صيغة إيمانيّة مجرّدة، بل هو، منذ نشأته الأولى، اعترافٌ لاهوتيّ–سياسيّ يحمل في داخله انقلابًا راديكاليًّا على تصوّر السلطة، والسيادة، والحكم. فكلمة Kyrios في أصلها اليوناني لا تعني إلهًا بالضرورة، بل تشير إلى علاقة سلطة: السيّد إزاء العبد، أو صاحب القرار إزاء من يخضع له. غير أنّ ما صنعته الكنيسة الأولى بعد القيامة لم يكن مجرّد رفع إنسان إلى مرتبة سامية، بل كان إعادة تعريف لله نفسه من خلال شخص يسوع الناصري المصلوب.
 
تكمن القطيعة الحاسمة في كون الترجمة السبعينيّة قد استخدمت لفظ Kyrios لترجمة اسم الله غير المنطوق (يهوه). وحين يُنسب هذا اللفظ إلى يسوع، فإنّ الأمر لا يتعلّق بلقبٍ شرفيّ، بل بنقل لغة الله ذاتها إلى إنسانٍ صُلب على يد السلطة السياسيّة والدينيّة. من هنا، يصبح الاعتراف بيسوع ربًّا إعلانًا عن سيادةٍ إلهيّة تتجلّى لا في القهر بل في الصليب. فالعبارة الصادمة التي يوردها بولس: «صلبوا ربّ المجد»، لا تقول إنّ يسوع صار ربًّا بعد القيامة فقط، بل تفترض أنّ الصليب نفسه هو فعلٌ سياديّ، يكشف زيف السلطان الذي يدّعي الحكم باسم النظام والقوّة.
 
في العالم الرومانيّ، كانت السيادة تقوم على النصر، والقهر، وفرض الطاعة. أمّا إعلان الكنيسة بأنّ "المصلوب هو الربّ"، فقد شكّل تفكيكًا جوهريًّا لهذا المنطق. فالصليب، الذي أرادته الإمبراطوريّة أداةً لإذلال المتمرّدين، تحوّل إلى مكان إعلان السيادة الحقيقيّة. ولذلك لم يكن قول «يسوع ربّ» قولًا روحيًا خاصًا أو شأنًا داخليًا للقلب، لكن موقفًا علنيًّا ينفي سيادةَ قيصر. لم يُضطهد المسيحيّون لأنّهم عبدوا إلهًا واحدًا، بل لأنّهم رفضوا الاعتراف بالسلطة المطلقة للدولة، وامتنعوا عن منح الولاء النهائي للإمبراطور ومنحه صفةً إلهيّة. المسيحيّة الأولى لم تكن ثورةً مسلّحة، لكنها كانت أخطر من ذلك: نزعًا للشرعيّة الرمزيّة عن كلّ سلطة تدّعي الألوهيّة.
 
هذا البعد لم يفقد راهنيّته. فاليوم لم يعد القيصر شخصًا واحدًا، بل تتعدّد أشكال السيادة التي تطلب ولاءً شاملًا: الدولة، السوق، الأيديولوجيا، الأمن، الهويّة، النجاح. جميعها تميل إلى تقديم نفسها بوصفها مرجعًا نهائيًا للخير، وللحقّ، ولتنظيم الحياة. في هذا السياق، يعود الاعتراف بيسوع ربًّا ليطرح سؤالًا سياسيًا جوهريًّا: من يملك الجسد؟ من يعرّف العدالة؟ من يقرّر من يستحقّ الحياة ومن يُهمَّش؟ إنّ سيادة يسوع، كما يفهمها العهد الجديد، لا تلغي السياسة، لكنها تضعها تحت النقد، وتنزع عنها صفة المطلق.
 
ومن هنا تكتسب عبارة «Ecco l’uomo» «هوذا الإنسان» دلالتها اللاهوتيّة العميقة. حين يقدّم بيلاطس يسوع المجلود ويقول: «هوذا الإنسان»، فإنّ الكنيسة ترى في هذا الإنسان المجرّد من القوّة الربَّ نفسه. في هذا التوتّر بين «الإنسان» و«الربّ» تنهار كلّ سيادةٍ قائمة على العنف، ويُعاد تعريف الحكم بوصفه خدمةً، والسلطة بوصفها مسؤوليّةً تجاه الضعفاء. سيادة يسوع ليست سيادةً ضدّ الإنسان، بل سيادةٌ من أجل الإنسان، لا تمارِس القهر بل تكشف الحقيقة وتحرّر.
 
لذلك، فإنّ الاعتراف بيسوع ربًّا اليوم ينطوي بالضرورة على مخاطرةٍ سياسيّة. فهو لا يعني انسحابًا من الشأن العامّ، لكن انخراطًا نقديًّا فيه. إنّه رفضٌ لعبادة القوّة، ونزعٌ للقداسة عن الأنظمة، وتأكيدٌ أنّ التاريخ لا يُفهم من القصور، ولا يُدار من العروش، بل يُقرأ في ضوء جسدٍ مصلوبٍ قام من بين الأموات. بهذا المعنى، يظلّ إعلان «يسوع هو الربّ» اعترافًا مقلقًا ومزعجًا ومحرِّرًا في آنٍ واحد، لأنّ الخضوع لربوبيّة يسوع هو، في الجوهر، رفضٌ لكلّ مبدأ يُهين كرامة الإنسان، ولكلّ نظامٍ يدّعي الألوهيّة ويضع نفسه فوق المساءلة والنقد.