ق / اسطفانوس زكى
(متى ٣: ١٣–١٧)
على ضفاف نهر الأردن، حيث كانت الجموع تصطف في اعتراف وانكسار، وحيث ارتفع صوت يوحنا المعمدان، الذى قيل عنه انه أعظم المولودين من النساء، عاش حياة زهد وتجرد، ووقف كآخر أنبياء العهد القديم وبوابة العهد الجديد. والذى كان صوته يدوى قائلا : «توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات» . فهو لم يهتم بأن يجذب الناس إلى نفسه، بل أشار دومًا إلى الآتي بعده: «ينبغي أن ذلك يزيد وأني أنا أنقص». وفي هذا السياق النبوي، يقف يوحنا مذهولًا أمام من جاء ليعتمد منه. واذ هو يصرج حدث مالم يتوقعها احد فقد جاء القدوس الذي لم يفعل خطية، ولم يوجد في فمه غش، والذي قال يومًا: «من منكم يبكتني على خطية؟»، لم يأتِ ليعترف، بل ليعتمد. لم يظهر كديّان، بل كحمل. إذ به يقف في صف التائبين. نعم، الذي لم يعرف خطية صار خطية لأجلنا. وفي هذا المشهد المهيب، لا نرى طقسًا عابرًا، بل إعلان خلاص، وبداية رسالة، وطريقًا يقود من الأردن إلى الصليب.
أولًا: التواضع – بداية طريق الخلاص
معمودية المسيح تعلمنا أن طريق الخلاص يبدأ بالتواضع. فالذي نزل إلى مياه الأردن هو نفسه الذي نزل أولًا إلى طبيعتنا في التجسد: «والكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا» (يو ١: ١٤).
كما لم يتكبر أن يقف في صف التائبين، لم يتكبر أن يغسل أرجل التلاميذ: «وإذ كان قد أحب خاصته… قام عن العشاء… وابتدأ يغسل أرجل التلاميذ» (يو ١٣: ١–٥).
لم يرفع نفسه فوق الآخرين، بل صار خادمًا للجميع: «من أراد أن يكون عظيمًا فيكم فليكن لكم خادمًا» (مر ١٠: ٤٣–٤٥).
وهو أيضًا المسيا المتألم الذي تنبأ عنه إشعياء: «محتقر ومخذول من الناس، رجل أوجاع ومختبر الحزن… حمل خطايانا وتحمل آلامنا» (إش ٥٣: ٤–٥).
هذا الاتضاع يظهر في أعماله كلها، ويعلّم المؤمنين: «تعلّموا مني لأني وديع ومتواضع القلب» (مت ١١: ٢٩).
ثانيًا: الطاعة التي تُكمّل مشيئة الله
عندما قال السيد المسيح ليوحنا المعمدان: «هكذا يليق بنا أن نكمّل كل بر»، كان يعلن أن معموديته ليست مجرد طقس، بل طاعة كاملة لمشيئة الآب.
ان الأردن هو بداية طريق الطاعة الذي سيكتمل على الصليب.
آدم والمسيح: «كما بمعصية الواحد جُعل الكثيرون خطاة، هكذا أيضًا بإطاعة الواحد سيُجعل الكثيرون أبرارًا» (رو ٥: ١٩).
طاعة الابن للآب: «لأني قد نزلت من السماء ليس لأعمل مشيئتي بل مشيئة الذي أرسلني» (يو ٦: ٣٨).
جثسيماني: «لتكن لا إرادتي بل إرادتك» (لو ٢٢: ٤٢).
ما بدأه المسيح بالطاعة في الأردن، أتمّه بالطاعة حتى الموت، موت الصليب.
ثالثًا: مياه الأردن – انتظار ثلاثين سنة وأهمية الماء
بعد ثلاثين سنة من الحياة الهادئة في الطاعة والعمل اليومي، دخل المسيح مياه الأردن ليبدأ خدمته العلنية: «فجاء إليه يسوع من الجليل إلى الأردن إلى يوحنا ليعتمد منه» (مت ٣: ١٣).
الماء في الكتاب المقدس يحمل دلالات عميقة: في الخلق: «وروح الله يرف على وجه المياه» – رمز الحياة والبداية. في الطوفان: دينونة وبداية جديدة. في عبور البحر الأحمر والأردن: خلاص وانتقال إلى حياة جديدة.
وفي معمودية المسيح، لا يكون الماء مجرد طقس، بل رمز: للتوبة التي يحملها بدلًا عنا، للتنقية، ولميلاد عهد جديد بين الله والإنسان.
دخوله الماء يعلن استعداده لأن يحمل خطايا العالم كله، وخروجه منه يعلن بدء رسالة الخلاص العلنية.
رابعًا: الإعلان الأعظم – إعلان الثالوث القدوس
في معمودية المسيح يظهر أوضح وأعظم إعلان للثالوث:
* الآب في السماء:
صوت الآب يعلن محبته ورضاه: «هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت» (مت ٣: ١٧).
* الابن في الماء: يسوع يقف وسط البشرية، متواضعًا، مؤكدًا اتحاده الكامل بنا، دون أن يفقد لاهوته.
* الروح القدس نازل عليه كحمامة: وللحمامة مدلول كتابي عميق:
* مع نوح: حملت غصن الزيتون، وأعلنت سلامًا وبداية عهد جديد بعد الطوفان (تك ٨: ٨–١١).
* كذبيحة نقية: ترمز للطهارة والقرب من الله (لا ١: ١٠).
* في العهد الجديد: رمز السلام، الوداعة، والطهارة.
هكذا نرى إعلانًا حيًا للثالوث: الآب يبارك، الابن يتواضع،
والروح ينزل بالقوة والنعمة.
«ونزل الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة وحلّ عليه» (لو ٣: ٢٢).
ظهور الحمامة يجمع السلام، الطهارة، النعمة، والقوة، ويعلن بداية عهد جديد للخلاص.
....نعم...
,* الاتضاع يفتح القلوب ويقود للخلاص.
* الطاعة تكمّل مشيئة الله وتثمر بركة دائمة.
* معمودية المسيح ليست مجرد طقس، بل إعلان بداية الرسالة، وإعلان اللاهوت، ودعوة لحياة جديدة.
الخدمة الحقيقية تبدأ من قلب مطمئن في محبة الآب، لا من طلب مجد الناس.
.....يا رب يسوع،.... نشكرك لأنك اتضعت لأجلنا، وأطعت حتى الموت، وأعلنت لنا محبة الآب، وأرسلت لنا الروح القدس ليملأنا قوة وقداسة.
علّمنا أن نسير في طريقك، أن نتواضع كما اتضعت، ونطيع كما أطعت، ونعيش كأبناء محبوبين، ونجعل من المعمودية حياة يومية تُعاش لا ذكرى تُحتفل بها فقط..امين
......ق / اسطفانوس زكى....





