القمص يوحنا نصيف
    يظنّ البعض أنّ بنوّتنا لله هي بنوّة اعتباريّة.. أي أنّنا مجرّد عبيد، ومن محبّة الله لنا أنّه يعتبرنا أبناءً له.. مجرّد وضع اعتباري، وليس حقيقيًّا أنّنا صِرنا أبناء له بالتبنّي.. فهل هذا صحيح؟!

    هذا السؤال يقودنا إلى ضرورة فهم معنى التبنّي..
* ما هو معنى التبنّي؟ وماذا يحدث لو تبنّيتُ ابنًا؟!

    التبنّي هو اتّخاذ الشخص طفلاً ابنًا له، وهو ليس بابنٍ له في الأصل. فهو لم يكُن من العائلة، وليس ابنًا بالجسد، ولكنّه يصير ابنًا رسميًّا بالتبنّي، ويصير عضوًا في العائلة.

    تبعًا هذا، يصير للمُتَبَنَّى اسم جديد وحقوق وكرامة وميراث.. بمعنى أنّي لو تبنّيت طفلاً يصير ابنًا رسميًّا لي؛ فأعطيه اسمي واسم عائلتي، ويعيش في بيتي، ويأكُل على مائدتي، ويكون له كلّ حقوق البنوّة من حُبّ ومشاركة وميراث..

    أمّا البنوّة الاعتباريّة، فلن تزيد عن الاهتمام والمحبّة والتقدير لشخص أعتبره مثل ابنائي، ولكنّي لا أعطيه اسمي ولا يشاركني في حياتي ولا ممتلكاتي..!

    أثناء خدمتي بالولايات المتّحدة الأمريكيّة، رأيتُ الكثير من حالات التبنّي الجميلة.. فهناك أُسَر تُضِيف إلى أبنائها بالجسد بعض الأطفال، تتبنّاهم وتربّيهم مع أبنائهم الأصليّين، فيأخذون اسم العائلة، ويكون لهم كلّ حقوق الأبناء..! فهناك أُسَر لديهم خمسة أطفال مثلاً، ويضيفون عليهم ثلاثة.. فيحمل الثمانية اسم العائلة ويكون لهم كافة الحقوق كأبناء وإخوة..!

    منذ عِدّة سنوات كنت أزور أسرة قبطيّة جميلة، في صباح أحد الأيّام.. وكنت أعرف أنّ لديهم أربعة أبناء.. وبعد الصلاة وأثناء تناول الإفطار معهم جميعًا، قالوا لي أنّ الشاب الأكبر، الذي كان يجلس سعيدًا معنا، هو أوّل أبنائهم الذين قاموا بتبنّيه بعد أن تأخّروا في الإنجاب، ثمّ أعطاهم الله فأنجبوا ثلاثة أطفال آخرين بعد ذلك، فكبر الأربعة معًا يعيشون في محبّة وسلام، بلا أيّ تفرقة.. وقد اقتربوا على التخرُّج من الجامعة..!

* كيف نصير أبناءً لله بالتبنّي؟
    في البداية يؤكِّد الإنجيل أنّ البنوّة لله هي بنوّة حقيقيّة، وهي نِعمة يصير بها العبيد أبناءً، وهي هِبة مُتاحة لكلّ من يقبل المسيح إلهًا ومخلِّصًا ومَلِكًا له: "وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ. اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُل، بَلْ مِنَ اللهِ وُلِدُوا." (يو1: 12-13).

    هناك سؤال مهمّ: كلّنا نعرف أنّ المسيح هو ابن الله الوحيد (مونوجينيس = المولود الوحيد)، الذي من نفس جوهره وطبيعته.. فكيف نكون نحن أيضًا أبناء بجانبه، إذا كان هو الوحيد؟ وإذا صِرنا أبناء آخرين لله، فلن يصير المسيح ابنًا وحيدًا.. كيف نفهم ذلك؟!

    لعلّ هناك سؤالاً آخَر، سيساعدنا في فهم السؤال الأوّل، وهو: كيف ننال التبنّي لله؟!

    الإجابة هي أنّ التبنّي لله يكون باتّحادنا بالابن الوحيد، فنكون أبناء فيه، وليس بجانبه.. فيظلّ هو الابن الوحيد، ومَن يثبت فيه يصير ابنًا لله بالتبنّي.. وهذا يتمّ بالإيمان والمعموديّة.. فبالمعموديّة نتّحد بالمسيح على مثال موته وقيامته، ويتمّ غرسنا في جسد المسيح، فنصير أبناء لله في المسيح الابن الوحيد.. هذا يفسِّر لنا كيف أنّ المعموديّة هي الميلاد الثاني لنا بالماء والروح، التي بها ننال البنوّة لله، وبدونها لا نقدر أن ندخل أو نرى الملكوت (يو3: 3، 5)!

يوضّح القديس بولس الرسول بالروح القدس، كيف نتّحد بالمسيح في المعموديّة ونصير اعضاء في جسده، بآياتٍ عديدة، فيقول:
    + "أَمْ تَجْهَلُونَ أَنَّنَا كُلَّ مَنِ اعْتَمَدَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ اعْتَمَدْنَا لِمَوْتِهِ، فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ، حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ، بِمَجْدِ الآبِ، هكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضًا فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ؟ لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا قَدْ صِرْنَا مُتَّحِدِينَ مَعَهُ بِشِبْهِ مَوْتِهِ، نَصِيرُ أَيْضًا بِقِيَامَتِهِ." (رو6: 3-5).

    + "أَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضًا اعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ، يَهُودًا كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ، عَبِيدًا أَمْ أَحْرَارًا، وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحًا وَاحِدًا." (1كو12: 13).

    + "مَدْفُونِينَ مَعَهُ فِي الْمَعْمُودِيَّةِ، الَّتِي فِيهَا أُقِمْتُمْ أَيْضًا مَعَهُ بِإِيمَانِ عَمَلِ اللهِ، الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ" (كو2: 12).

    + "أَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ (إلى داخل المسيح) قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ. لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ." (غل3: 27-28).

* التبنّي لله هو أعظم عطيّة: 
    هِبة التبنّي لله، بغرسنا في جسد المسيح، عن طريق المعموديّة، هي التي تؤهّلنا لسُكنى الروح فينا، وهي التي تمنحنا الميراث الأبدي كأبناء.. فابن الملك يتمتّع بمملكة أبيه..

    هذا هو الهدف الرئيسي لتجسُّد الابن الوحيد، أن نصير فيه أبناء للآب بالتبنّي، وبالتالي ورثة لملكوته.. لذلك فإنّ التبنّي هو أعظم هِبة يُمكِن منحها للبشر، لأنّها تتضمّن كلّ النِعَم الأخرى!

    لقد تَغَنّى آباء الكنيسة الأوائل بمجد التبنّي لله، كأعظم هبة مُنِحَت للبشريّة، لكلّ مَن يؤمِن ويعتمد.. وفي مقال مُقبِل سنعرض بنعمة المسيح بعض الأمثلة البديعة من أقوالهم.

القمص يوحنا نصيف
ثاني أيّام عيد الغطاس 2026م