بقلم الأب يسطس الأورشليمى
ركعت وسجدت أمام إلهي!!
أنتقل لإحدى الأرامل ابنها الوحيد، وإذ أدرك مدى تعلقها به لم أعرف ماذا أفعل؟! ذهبت إلى منزلها ففتحت الخادمة الباب، سألتها عن السيدة فأجابت: إنها في حجرتها الخاصة أغلقت الباب، وقالت لي ألا أطرق الباب مهما تكن الظروف، أنا آسفة يا أبي لا أستطيع أن أخبرها بحضورك، طال انتظاري، وأخيراً فتحت الباب وكانت ملامح وجهها تُكشف عن سلام عميق يملأ أعماقها، وسلام الله الذي يفوق كل عقل..
قالت لي: أنا آسفة يا أبي، لأني تأخرت في خروجي لمقابلتك أريد أن أطمئن قلبك، فما كنت تود أن تُقدمه، قدمه لي الرب بفيض، سجدت أمام إلهي ولم أتركه حتى يفيض عليّ بتعزياته، والآن أنا في سلام..
علمني يارب كيف أرتمي عند قدميك ووسط آلامي تعزياتك تُلذّذ نفسي أنت هو ملجأي ومصدر كل تعزية، فلا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم (1تس13:4)، أنت يارب تُحاورني، لكي تعطيني فرصة ثمينة للتمتع بحبك فالحوار معك ممتع ومُفيد، بروحك القدوس علمني الهروب من كل حوار باطل، ألا يجب أن أسلم نفسي للدموع دقائق قليلة من أجل الذي صلى من أجلي، وصار عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض؟! (لو44:22)..
مَن كسر البيض يا ماما؟!
صرخت الطفلة قائلة: ماما، ماما، مَن كسر البيض؟ فمنذ أسبوع كُنت أرى في عُش صنعته العصافير بيضاً صغيراً جميلاً، لقد ذهبت اليوم لأرى البيض فلم أجد سوى قليل من قشر البيض إني حزينة، أمسكت الأم بيد ابنتها الصغيرة، وقالت لها: لم يكسر أحد البيض، لكن يوجد داخل البيض عصافير صغيرة تُغني فرحة مُتهلّلة بين الأشجار..
ونحن إذ نذكر أحبائنا الذين سبقونا، نقول لهم: لقد خرجتم من الجسد الذي تشقق وانكسر وتحلّل في القبر، لكنكم تطيرون الآن في الفردوس مع صفوف السمائيين تسبحون مُتهللّين، لم تخسروا شيئاً حتى أنكم ستلبسون جسداً روحانياً جديداً في يوم الرب، ونقول مع مُعلمنا بولس الرسول: لأن لي الحياة هي المسيح والموت هو ربح، لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جداً (في21:1، 23؛ عب10:11)..
قال أحد القديسين: حينما يولد الإنسان يدخله الموت، وحينما ينتقل من العالم يدخل في الحياة الأبدية، لنتطلع إلى المدينة التي صانعها وبارئها الله فلماذا أنشغل بالجسد، ولماذا كل أفكاري مُنحصرة فيه؟! ليتشقق قشر البيض ولتنطلق نفسي الآن تُشارك السمائيين مُعاينتهم مجد الله..
كُنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير، ادخل إلى فرح سيدك، كُن أميناً إلى الموت فسأعطيك إكليل الحياة (مت21:25؛ رؤ10:2)..
الموت يُنهي كُل شيء!!
التقى مُلحد بمؤمن يُكرز بالإنجيل، فقال له: إنني لا أؤمن بما تُكرز به قال المؤمن: لا تقل لي لماذا لا تؤمن، بل أخبرني بما تؤمن به؟ قال المُلحد: أؤمن أن الموت يُنهي كل شيء، قال المؤمن: بالتأكيد الموت يُنهي كل الفرص المُتاحة لك لمقاومة الله، يُنهي كل ملذاتك، ومباهجك، وصداقاتك وطموحك..الخ، فإنك ترحل لتدخل إلى الظلمة الخارجية، أما الموت بالنسبة لي فسيُنهي كل متاعبي، وضيقاتي، ودموعي، وجهادي، وأذهب إلى إلهي أنعم معه بمجده، قال المُلحد: لم أكن أفكر من قبل هكذا!!
هكذا الموت يُنهي كل شيء، لتصير حصيلته بالنسبة للأشرار الظلمة الخارجية، ولأولاد الله يسوع المسيح نصيبهم الأبدي، لتمت نفسي موت الأبرار، أراك قادماً تحملني إلى مجدك، أرى ملائكة يتهللّون بانطلاقي ووليمة لن تنتهي بهجتها، حيث قال الرب يسوع: إن عطش أحد فليُقبل إليّ ويشرب، مَن آمن بي تجري من بطنه انهار ماءٍ حيّ، أنا هو القيامة والحياة مَن آمن بي ولو مات فسيحيا (يو37:7؛ 25:11)، فمرحباً بالموت لأنه لقاء حيّ معك يا الله، فهو عبور من عالم الفناء إلى عالم البقاء..
قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السعي، حفظت الإيمان، وأخيراً قد وُضع لي إكليل البرّ الذي يهبه في ذلك اليوم، الرب الديان العادل، وليس لي فقط، بل لجميع الذين يُحبون ظهوره أيضاً (2تي7:4)..
أوراق الشجر الميتة !!
بينما يتحدثان معاً إذا بأوراق الشجرة الجافة الميتة تتساقط تارة على رأسه وأخرى على ثيابه، سأل مارك والده: إن الجو جميل، والشمس ساطعة، ولا توجد رياح، فلماذا تتساقط هذه الأوراق الجافة الميتة، بالرغم إننا في بدء فصل الربيع حيث تُزهر الأشجار؟!
أجابه والده: هذه الأوراق قد ماتت بسبب صقيع فصل الشتاء، وفقدت اتصالها بالفروع والأصل، والآن إذ بدأ فصل الربيع لم تظهر بعد الفروع والأغصان والأزهار الجديدة، بل تتكون البراعم الصغيرة التي قد لا نراها بالعين المجردة في بداية ظهورها، وببزوغها تتساقط الأوراق الميتة فالأوراق لا تتساقط بسبب الشمس ولا الرياح، بل بفعل الحياة الخفية التي تظهر خلال البراعم الجديدة (2كو17:5)..
هّز مارك رأسه، وهُو يقول: إذن الحياة ولو كانت خفية في برعم صغير، هي أقوى من الموت، قال والده: نعم، هذه هي خبرتنا اليومية مع مسيحنا القائم من الأموات، فمع كل صباح إذ نذكر قيامتنا مع مسيحنا تهتزّ أوراق شجرتنا الجافة التي لإنساننا العتيق مع بزوغ أعمال الإنسان الجديد الذي يعمل على الدوام، فتنهار خطايانا مهما بدت عنيفة ومتأصلة، فإنها ليست من طبيعتنا الأصلية، بل هي دخيلة علينا، وعوض أن ننشغل بالخلاص من الأوراق الجافة الميتة، لنهتم بالبراعم الحية الجديدة وبظهورها تسقط الأوراق الميتة، ومع كُل صباح أتمتع بخبرة قيامتك المجيدة، وبروح النصرة، ولا أخاف الموت، راجع الكتاب (1كو55:15)..
كاهنان سحبا قلبي إلى السماء !!
تأثرت في حياتي بكاهنين سحبا قلبي إلى السماء، لقد دخلت الكنيسة فرأيت كاهناً يجلس بجوار طفل صغير يعترف، كان الأب يُكاد يحتضن الطفل، وقد أعطاه اهتماماً عظيماً وهو ينصت إلى كل كلمة تصدر منه..
أحسست بأبوة هذا الكاهن العجيب التي هي ظل لأبوة الله المُهتم بكل إنسان أياّ كان جنسه أو مركزه أو عمره، وإذ انطلقت من صحن الكنيسة اتجهت نحو المعمودية، فرأيت منظراً عجيباً سحب قلبي إلى السماء..
رأيت كاهناً آخر قد وقف أمام جرن المعمودية يُصلي في مهابة وخشوع يحمل مخافة الله على ملامح وجهه، شعرت أنه يقف أمام العرش الإلهي..
الكاهن الأول: كشف لي عن المحبة الإلهية الفائقة، والثاني: عن مخافة الله التي لا تنفصل عن الحب، لقد سحب الاثنان قلبي إلى السماء، فاشتهيت أن أقدم توبة صادقة، واعترافاً مقبولاً أمام الله..
إني مُشتاق أن أعبر وأعود إلى أبي السماوي، وأنطلق إلى أعماقه، أراك يارب فأتعرف بالأكثر على أسرارك، واشتهي أن أنطلق إلى أحضانك، أنطلق ومعي كل البشرية لتتمتع بك، وينعكس بهاء مجدك على أعماقنا، وتُقيم في داخلنا ملكوتك المُفرح، لألتقي بحبك الإلهي حيث المخافة والمهابة الربانية فأصير في صحبة الملائكة المملوءين حباً !! وكما قال الرّب يسُوع:
ها ملكوت الله داخلكم (لو21:17)..





