بقلم الأب يسطس الأورشليمى

الذي بقى وحده معي !!
قال رجل: نمت وأنا منكسر النفس جداً بسبب كثرة المشاكل، يُحيط بيّ اليأس من كُل جانب، حتى فكرت في الانتحار، رأيت نفسي في حُلم الليل حزيناً يأساً للغاية، وكنت أجري نحُو قمة جبل مُصمماً أن ألقي بنفسي إلى سفحه وأمُوت، التقى بيّ أصدقائي واحد وراء آخر، كُل منهم يُقدم لي كلمة تعزية، لكنهم لا يستطيعُون مُشاركتي آلامي، إنها مجرد كلمات، ومشاعر إنسانية، لكن أين هُو الحل؟! صممت أن أكمل الطريق حتى النهاية..

وفي الطريق التقى بي كاهن وأخذ يتحدث معي، وبالرغم من كلماته العذبة المعزية، لكني لم أستجب لندائه بالعدُول عن الانتحار، كان يُؤكد لي مُواعيد الله الصادقة التي تسندنا في وادي الحزن، لكن بلا فائدة..

وفي الطريق جاء ملاك يُرافقني ويُكلمني عن حياة الشكر، والتسبيح والشركة مع الله، والحياة الأبدية، لكن لغباوتي لم أنصت إليه كثيراً، سرت حتى بلغت قمة الجبل لألقي بنفسي، كان الكُل يصرخ ويصيح، أصدقائي والكاهن والملاك وأنا لا أبالي، أدركت أنهم بالحقّ يحبُونني، لكنهُم عاجزُون عن حل مشاكلي، أخيراً ألقيت بنفسي من قمة الجبل لأمُوت..

ارتطم جسدي بصخرة، واندفعت الدماء من جراحاتي، وسمعت صُوت ارتطام شديد بالقرب مني، تطلعت والتفت حولي، فرأيت مسيحي بحبه وحنانه العجيب، قد ألقى بنفسه ورائي ليخلصني من المُوت المحقق..

هُو وحده نزل معي إلى المُوت ليهبني الحياة، يشفي جراحاتي ويحُوّل ظلمتي إلى نُوره، ومرارتي إلى عذُوبة وحلاوة، فلا أخاف لأنه معي!!

لقد حملت معه الصليب !!
 اعتاد أحد الشبان أن يأتي إليّ ويشتكي همُومه، فقد عانى كثيراً من البطالة، وأخيراً استأجره صاحب مصنع كان يستغله بمرارة، فيعطيه كميات ضخمة من الورق ثقيلة الوزن، يقوم بتوصيلها على دراجة..

وفي أحد الأيام جاء الشاب فرحاً مسرُوراً يقول لي: يا أبي لقد حملت معه الصليب، بينما أنا أحمل الورق الثقيل على الدراجة، شعرت بثقل الحمل وعجزي عن السير، حاولت بكُل الطرق لكن دُون جدوى، وفجأة وجدت نفسي ساقطاً تحت الدراجة والأوراق بثقلها تنهار عليّ..

لم يتحرك أحد في الطريق لمساندتي، فصرخت في مرارة طالباً العُون الإلهي، تلفت إلى اليمين وأنا ملقى تحت أكوام الورق، وإذا بي أجد سيدي المسيح ساقطاً تحت صليبه والعرق يتصبب منه، أدركت إنني أشاركه آلامه ففرحت جداً، وتعزى قلبي وشكرت ربي، وحسبت ذلك كرامة لا استحقها وفي فرح قلت: آه يا سيدي، هل لي أن أحمل معك الصليب ؟!

إنني سعيد بآلام المسيح فيّ، إلهي حينما تقسُو كُل الأذرع البشرية، أجد يديك مبسوطتين بالحُب لي، حينما يضيق الطريق بي أجدك رفيقي في الطريق الضيق، تُحول مرارة الضيق إلى عذوبة الراحة فيك، وكما قلت لنا: تعالوا إليّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال، وأنا أريحكُم، احملوا نيري عليكم وتعلّمُوا منّي، لأني وديعٌ ومتُواضع القلب، فتجدُوا راحةً لنفُوسكُم، لأن نيري هينٌ وحملي خفيفٌ (مت28:11-30)..

المُؤمن المتألم هيكل للمصلُوب !!
كان رجل يُعاني من آلام شديدة في ظهره، وإذ كان أبونا يُعزيه بكلمة الرّب، قال المريض في مرارة: أنا لا أطلب الشفاء التام، كُل ما أطلبه أن يُعطيني قُوة لكي أقف للصلاة، وأن ينزع عني الصداع الشديد لكي أركز في الصلاة، قال الكاهن: لا تخف فإن كنت عاجزاً عن الحضور للكنيسة، أو الوقوف للصلاة، لكنك تُشارك المسيح الساقط تحت صليب آلامه، فقد كان يئن من آلام ظهره بسبب ثقل الصليب من أجلك وأجلي..

بعد أيام جاء الرجل إلى الكنيسة، وقال للكاهن: أنا زعلان من الرّب فحينما استعذبت الألم، وحسبت نفسي غير مستحق لمشاركة مسيحي آلام ظهره، رفع عن ظهري الألم وشفاني تماماً..

قال الكاهن: حتى إن حرم الألم الإنسان من الدخُول إلى بيت الرّب والوقُوف للصلاة، إذ يتحُوّل المُؤمن المتألم إلى هيكل للمصلوب، وتصير حياته نفسها صلاة دائمة تُفرح الرّب، وسيأتي اليوم الذي فيه تتفرغ للعبادة فأنك الآن تتعلم حياة الصبر وطُول الأناة، فمن السهل أن تسبح الرب وتُصلي بالمزامير، وتدخل في تأملات، وهي أمُور ضرورية لحياة المُؤمن لكن بدُون الألم، كيف تُشارك المصلوب حبه ؟! (في29:1)..

 لأنه قد وهب لكُم لأجل المسيح لا أن تُؤمنُوا به فقط، بل أيضاً أن تتألموا لأجله، لأعرفه، وقوة قيامته، وشركة آلامه، مُتشبها بموته..
+ + +

خائف على نفسي !!
بعد حوالي عشرين عاماً، التقيت مع أحد الأحباء في كاليفورنيا بأمريكا وطلب مني أن أزوره في بيته الفخم، وإذ جلسنا معاً قال لي: لعلك تذكر منذ حوالي عشرين سنة، حين بدأت حياتي هنا أخذت أكافح بكُل طاقتي، والآن أعطاني الله أكثر مما أسال، وفُوق ما أطلب..

 قلت له: إنها عطية الله نشكره عليها فهو يهتم بنا ويُعيننا، قال: أتعرف كيف أفاض عليّ بهذا الغنى؟ فمنذ عدة سنُوات قلت في نفسي، ماذا أنتفع إن نجحت هنا ولا أتمتع بالسماء ؟! أنظر (مت25:16-27)..

ركعت، وسجدت أمام إلهي، ووضعت عهداً ألا أمد يدي إلى العشُور مهما كانت ظرُوفي، فهي أموال أخُوة الرّب، قلت له: سأقدم للمحتاجين سواء في مصر أو في أمريكا، إنها عطيتك يا إلهي الحبيب..

بدأت أعطي بسخاء، وإذ أبُواب السماء تنفتح أمامي، أعطاني الرّب فُوق احتياجاتي، كُنت أسجد وأصرخ للرّب: كفى، كفى يا إلهي إني خائف على نفسي، لئلا تأسر كثرة الخيرات نفسي فتحطمها وتتلفها، وتضيعها..

هكذا عبر هذا الأخ عن معاملات الله معنا حينما نفتح لا مخازننا، بل قلوبنا أولاً، ونفُوسنا لأخوتنا الأصاغر، فإنه يفتح أبُواب سمواته أمامنا ويعطينا بفيض فُوق ما نتصُور، أعط حباً للصغار، وأفتح قلبك للجميع أيضاً وسترى كيف تهبك نعمة الله رُوح القداسة؟! (لو32:12-40)..

لنعش كسائر البشر !!
هذه قصة خيالية على ألسنة الأسُود، من وحي ما كتبه القديس يوحنا ذهبي الفم، إذ يقُول: إن الإنسان قد انحط إلى مستوى أقل من الحيُوانات والحشرات، فيطالبنا الكتاب المُقدس أن نتعلم الجهاد وعدم الكسل من النملة، والعمل الجماعي حتى من الحيُوانات المفترسة كالأسُود، فإنها مهما كانت لكنها لا تأكل بعضها البعض بل تعمل معاً، أما الإنسان فيختلف حتى مع من هُو قريب إليه، فلا تتعجب إن الحيُوانات تلتزم بقُوانين الطبيعة..

قال: كان أسداً يتمشى في وسط الغابة، وإذ به يرى كُل الحيُوانات تهرب من أمامه وتخشاه، فهُو ملك الحيُوانات، زأر بقُوة فدوى صُوته في كُل الغابة، وخرج عشرات الأسُود واللبؤات والأشبال بسرعة إليه..

قال أحدهُم: سمعنا زئيرك فأتينا جميعاً إليك، قال الأسد: لقد خطرت لي فكرة أردت أن أعرضها عليكُم، لنعش كسائر البشر، إننا من جهة الجسم أقوى، ومن جهة الحرية نتمشى في الغابة، لكن ينقصنا أن نتشاجر معاً ويأكل بعضنا لحم بعض، فهذا من سمات البشر، قالوا: كيف يكُون هذا ونحنُ دائماً نعمل معاً، وإن افترسنا حيُواناً نقسمه جميعاً، ونعطي الشيُوخ والمرضى والأشبال نصيبهُم؟! تعالوا نختلف في الرأي وننقسم إلى جماعات نحارب ونأكل بعضنا بعضاً، قالوا: يستحيل هذا ليس من طبيعتنا..

وهبتني يارّب عقلاً وفهماً، وأعطيتني نعمة الإرادة الحرة، لعلي أرتفع إلى سماواتك، وأتشبه بملائكتك النُورانية، فأسبح وأمجد الله !! 

ما هي الدرُوس المستفادة من الشمعة ؟!
الشمعة بدُون فتيل داخلها لا قيمة لها، لأنها لا تعطي نوراً، ونحنُ بدُون قلب صالح لا قيمة لنا مهما كانت أعمالنا ومظهرنا الخارجي، لأن الإنسان الصّالح من الكنز الصّالح في القلب يُخرج الصالحات، ومن فضلة القلب يتكلم الفم، وحيثُ يكون كنزك هُناك يكُون قلبك أيضاً (مت21:6؛ 35:12)، ولكي تُضيء الشمعة يجب أن نشعل النار فيها، وهي تذُوب لكي تُضيء الظلام، هكذا نحنُ لا يمكن أن ننير للآخرين إن لم نذهب أولاً إلى الرّب يسُوع لنستمد منه النُور، ونصير أبناء النُور..

لذلك يقُول السيد المسيح: فليضىء نُوركم هكذا قُدام الناس، لكي يرُوا أعمالكُم الحسنة، ويمجدُوا أباكُم الذي في السماوات (مت16:5) ..
لنتعلّم من الشمعة، عندما احتجنا إلى شمعة لتنير لنا نظراً لانقطاع التيار الكهربائي لم تتذمر وتقُول: لما كانت لكُم أنُواركم الكهربائية وضعتمُوني جانباً ولم تهتمُوا بي، أنا لا أريد أن أنير لكُم ..

قد نجد أناساً بهذه الصفة، إذا لم يكُونُوا رقم واحد فإنهم لا يساعدُون بالمرة، إن كُل ما استطاعت الشمعة أن تُعطيه هُو ضُوء شمعة واحدة، وكم كان النُور مفرح وسط الظلمة، فبدلاً من أن تُلعن الظلام أضيء شمعة فالشمعة راضية أن تبذل وتسكب حياتها في سبيلنا، وهنا الخدمة الباذلة المُحبة المُضحية، أنظر (مر42:12؛ يو16:3؛ 1يو16:4)..