ق / اسطفانوس زكى
تقع فنزويلا في شمال قارة أمريكا الجنوبية، وتُعد من أغنى دول العالم من حيث احتياطي النفط، غير أن هذه الثروة لم تتحول إلى بركة لشعبها، بل صارت عبئًا ثقيلًا في ظل سوء الإدارة وغياب العدالة. فعلى مدار سنوات طويلة، عانى المواطن الفنزويلي من أزمات اقتصادية واجتماعية حادة، تمثلت في التضخم، وتدهور الخدمات الأساسية، وانهيار العملة، حتى أصبحت كرامة الإنسان مهددة في أبسط حقوقها. وقد ازداد هذا الواقع قسوة خلال فترة حكم نيكولاس مادورو، وسط اتهامات واسعة بالاستبداد، وتزوير الانتخابات عام ٢٠٢٤، وانتشار الفساد والجريمة المنظمة، إلى أن انتهى المشهد بلحظة صادمة: انتقال مفاجئ من موقع السلطة إلى موقع الاتهام والمحاسبة. وبعيدًا عن السياسة، يفتح هذا المشهد بابًا عميقًا للتأمل في الإنسان والسلطة والمصير.
++ المنصب لا يمنح قيمة للانسان بل يكشف حقيقته
ان أول درس إنساني تكشفه أحداث فنزويلا أن المنصب لا يصنع قيمة للإنسان، بل يُظهر جوهره. فالكرسي قد يرفع صاحبه مؤقتًا، لكنه لا يمنحه كرامة
وعندما تسقط الألقاب، لا يبقى سوى الأثر الذي تركه الإنسان في حياة الآخرين.
«لأَنَّ الإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ، وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ» (١ صم ١٦: ٧).
++ السلطة أمانة ومسؤولية قبل أن تكون امتيازًا
ان السلطة والمناصب ليست حصانة دائمة ولا حقًا مكتسبًا، بل أمانة ثقيلة ومسؤولية أخلاقية. والخطر الحقيقي لا يكمن في الوقوع في الخطأ، بل في إنكاره وعدم الاعتراف به، ورفض المحاسبة، والاستمرار في الطريق نفسه رغم وضوح آلام الناس.
«مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَائِمٌ فَلْيَنْظُرْ أَنْ لَا يَسْقُطَ» (١ كور ١٠: ١٢).
«فَكُلُّ مَنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا يُطْلَبُ مِنْهُ كَثِيرٌ» (لو ١٢: ٤٨).
++ لا أحد فوق المحاسبة
من أعمق الدروس التي يقدمها هذا المشهد أن المحاسبة قد تتأخر، لكنها لا تسقط. فالقوة لا تمنع لحظة الحساب، والنفوذ لا يلغي الحقيقة، والزمن لا يحابي أحدًا مهما طال بقاؤه في السلطة.
«لِكُلِّ شَيْءٍ زَمَانٌ، وَلِكُلِّ أَمْرٍ تَحْتَ السَّمَاوَاتِ وَقْتٌ» (جا٣: ١٧).
++ سقوط الدول يبدأ حين تُهان كرامة الإنسان
تكشف التجربة الفنزويلية أن انهيار الدول لا يبدأ من الاقتصاد، بل من إهدار الإنسان. فعندما يُختزل المواطن في رقم، ويُنظر إلى المختلف كعدو، ويُقصى الضعفاء، يبدأ السقوط الحقيقي مهما بدت الشعارات قوية.
«الْبِرُّ يَرْفَعُ شَأْنَ الأُمَّةِ، وَعَارُ الشُّعُوبِ الْخَطِيَّةُ» (أم ١٤: ٣٤).
هذه القصة لا تخص رئيس دولة فقط، بل كل إنسان وُضع في موقع مسؤولية: مسؤول في عمله، رب أسرة، قائد مؤسسة، أو صاحب قرار يؤثر في غيره. فالجميع سيُسأل يومًا: كيف استخدمت ما وُضع في يدك؟
«فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ الْمَسِيحِ» (٢ كو ٥: ١٠).
من الحياة
• لا تجعل المنصب أعلى من الضمير.
• تذكّر أن السلطة اختبار للأخلاق لا مقياسًا للعظمة.
• استمع لآلام الناس قبل الدفاع عن قراراتك.
• اقبل المحاسبة طوعًا قبل أن تأتي قسرًا.
• اجعل العدالة والرحمة ميزان كل قرار.
«قَدْ أَخْبَرَكَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ مَا هُوَ صَالِحٌ: أَنْ تَصْنَعَ الْحَقَّ، وَتُحِبَّ الرَّحْمَةَ، وَتَسْلُكَ مُتَوَاضِعًا» (ميخا ٦: ٨).
يا الله،
يا من لا تخدعك المناصب ولا تُبهرك الكراسي،
علّمنا أن نختار الحق قبل القوة،
وأن نُعلي الضمير فوق المصلحة،
وأن نستخدم ما في أيدينا لخدمة الإنسان لا لقهره.
احفظ قلوبنا من سُكر السلطة،
وأعيننا من عمى النفوذ،
واجعلنا أمناء في القليل والكثير،
لكي إذا سُئلنا يومًا،
نقف بسلام لا بخوف.
....آمين...
ق / اسطفانوس زكى





