القمص يوحنا نصيف
التقيتُ في حياتي بالعديد من الشخصيّات ذات النوعيّات المختلفة، ولكنّ الشمّاس الجميل جرجس كان بالحقيقة من أجمل الشخصيّات التي تعرّفتُ عليها في كلّ حياتي..
كانت أسرته تعيش بالقاهرة، وانتقل الأب في عُمر مبكِّر إلى السماء بينما كان جرجس طفلاً صغيرًا، ومعه أخوه جوزيف الذي يصغره بثلاث سنوات. انتقلت الأسرة لتعيش معنا في الإسكندريّة -حيث عائلة الأم- في عام 1984م، وانضمّ إلى مدارس الأحد بكنيسة مار جرجس سبورتنج، والتحق بأسرة الملاك ميخائيل التي كنت أخدمها في ذلك الوقت، ثم سافَرَتْ الأم إلى السماء أيضًا بعد ذلك بحوالي ثلاث سنوات، وتَرَكَتْ الابنين يتيمَين..
بالطبع اهتمّ بهما الأقرباء مع الكنيسة، حتّى تَخَرّج جرجس محاسِبًا، وعمل بشركة ترافكو للسياحة بالغرقة، ثم تعرّف على زوجته الفاضلة تريزه في أواخر التسعينيّات، وبعد الزواج سافرا إلى أيرلندا، ورزقهما الله بابنين مبارَكَين؛ أنتوني وبافلي.
منذ ذلك الوقت، وهو يعيش مع أسرته هناك في سلام، وكُنّا نتواصل باستمرار حتّى انطلاقه إلى السماء مساء أمس الخميس 15 يناير 2026م، بعد أن داهمه المرض الخبيث لمدّة حوالي أربع سنوات، كان أثناءها مثالاً في الصبر والشكر والتسليم الكامل لله، والمواظبة على الخدمة حتّى الأيّام الأخيرة؛ لدرجة أنّ الحبر الجليل المحبوب نيافة الأنبا أنتوني مطران أيرلنده واسكتلندا قد وضع عليه اليد وسامَهُ شمّاسًا كاملاً في عيد السيّدة العذراء في أغسطس الماضي 2025م.
الحقيقة أنّني منذ أن تعرّفتُ على جرجس وهو طفل صغير، وأنا أرى فيه صورة المسيح متجسّدة بوضوحٍ شديد. فمهما حاولتُ أن أصِفه لا يمكن أن أعبّر عن كلّ فضائله التي كانت تشرق بلمعان لا تخطئه أيّ عين. سأحاول فقط في نقاطٍ قليلة الحديث عن بعض فضائله:
+ كان وديعًا جدًّا، لا يمكن أن تخرُج من فمه كلمة بطّالة، ولا يمكن أن يردّ على الشرّ بالشرّ مهما تعرّض للإهانة، ولا يمكن أن يدين أحدًا أو يطعَن في أحدٍ، مهما كان يرى الأخطاء تَحدُث أمام عينيه!
+ حينما تنظر إليه أو تتعامل معه تجده دائمًا مبتسِمًا، ويشكر الله باستمرار على كلّ شيء؛ رغم كلّ الظروف الصعبة التي تعرّض لها في حياته.. لقد كان بالعكس، يَنظر إلى جميع الأمور والأحداث بشكل إيجابي مملوء بالرجاء والفرح.
+ تميّز جرجس بالأمانة في كلّ أمور حياته، سواء في أداء عمله، أو في كلامه، أو في أيّ خِدمة تُطلّب منه؛ لذلك وَجد نعمةً في أعيُن الجميع. والحقيقة أنّه كان ناجحًا في كلّ شيء، وتحقّقت فيه كلمات المزمور أنّ "كلّ ما يصنع ينجح فيه". بل أنّني كنت أرى منذ بكور شبابه أنّه دائمًا ما يكون سبب بركة ونجاح لأيّ عمل يَدخُل فيه، فكنت أشعر أنّ يده الطاهرة المباركة تبارك الخدمة التي يشارك فيها أو يُكَلَّف بها!
+ تَحلّى أيضًا جرجس بقلب الخادم الذي يُسرِع لمساعدة الآخَرين، بإنكار ذات وحُبّ وفرح، وربّما دون أن يُطلَب منه ذلك.. فكان شَهمًا مِعطاءًا مِضيافًا، بكلّ سخاء وتواضع وبساطة.. يفكِّر في الآخَرين قبل نفسه، ويَبحث عن إسعاد ومعاونة الجميع بطيب خاطر وقلب متّسِع فائض بالحُبّ.
+ تمتّع جرجس أيضًا بفضيلة الوفاء للكنيسة وللأصدقاء، ولكلّ الذين خدموه أو خدمهم، فكانت علاقات المحبّة تربطه بالجميع، وتتقوّى بمرور الزمن.
أخيرًا، بعد أن تاجر بوزناته وربح، وجاهد الجهاد الحسن وأكمل السعي وحفظ الإيمان، يوضع له الآن إكليل البرّ.. لقد وصل بسلام إلى مواضع الراحة والنور والفرح والمجد، بعدما اجتاز في معصرة الآلام بشكرٍ وتسليم كامل لإرادة الله.
إنّه حبيبي الذي لا يمكن أن أنساه حتّى ألقاه..
المسيح قادر أن ينيّح روحه الطاهرة في فردوس النعيم، ويُعزِّي أسرته الغالية، ويُعَزِّينا جميعا بتعزيات الروح القدس، وينفعنا ببركة صلواته عنّا.
القمص يوحنا نصيف





