ترجمة وتعليق الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
١. «أومن بإلهٍ واحد، الآب الضابط الكلّ، خالق السماء والأرض»
من بين جميع الحقائق التي يجب أن يؤمن بها المؤمنون، هذه هي الأولى: أن يوجد إلهٌ واحد. ويجب أن نتأمّل في معنى هذا الاسم «الله»: فهو لا يعني شيئًا آخر سوى الحاكم والمُدبّر لجميع الأشياء. فالذي يؤمن أنّ جميع أمور هذا العالم يحكمها ويدبّرها الله، هو الذي يؤمن بوجود الله. أمّا الذي يعتقد أنّ كلّ شيء يحصل بالمصادفة، فهذا لا يؤمن بوجود الله. ولا يُوجَد إنسانٌ من الحمق بحيث لا يعتقد أنّ الأشياء الطبيعيّة تُحكم وتُدبَّر وتُنظَّم، إذ هي تسير في نظامٍ وأزمنةٍ محدّدة. فإنّنا نرى الشمس والقمر والنجوم، وجميع الأمور الطبيعيّة الأخرى، تحفظ مسارًا محدّدًا. وهذا ما لم يكن ليحدث لو كانت وليدةَ المصادفة . ومن هنا، إن وُجِد إنسان لا يؤمن بوجود الله، فهو أحمق . وكما يقول المزمور: «قال الجاهل في قلبه: ليس إله» (مزمور ١٣: ١).
تعليقٌ على فقرة القدّيس توما الأكوينيّ
ينبغي قراءة هذا النصّ في إطار عصره. يكتب القدّيس توما الأكوينيّ (1225–1274) في سياق العصور الوسطى، حيث كان يُستَخدم انتظام الطبيعة ونظامها برهانًا مباشرًا على وجود الله، كما ورد في قوله «إنّ من لا يؤمن بالله "أحمق"». هذه اللغة تعكس خلفيّة زمنه اللاهوتيّة واستند فيها على مزمور ١٣: ١: «قال الجاهل في قلبه: ليس إله». أمّا الكنيسة الكاثوليكيّة اليوم، فهي تتبنّى موقفًا أكثر حوارًا وانفتاحًا تجاه غير المؤمنين: فالتعليم المسيحيّ للكنيسة الكاثوليكيّة يقول: «الإلحاد من أخطر ظواهر عصرنا» (رقم 2123)، لكنّه في الوقت نفسه يعترف بأنّ «المسؤوليّة عن هذه الظاهرة قد تقع أيضًا على المؤمنين إذا شوّهوا صورة الله في حياتهم أو أهملوا التربية الدينيّة» (رقم 2125). وهنا نجد أنّ الكنيسة لا تكتفي بإدانة الإلحاد بل تدعو إلى "فحص الذات الكنسيّة". المجمع الڤاتيكانيّ الثاني الكنيسة في عالم اليوم "فرح ورجاء" يؤكّد: «يمكن أن يكون الإلحاد ناشئًا من رغبةٍ صادقة في البحث عن الحقّ، وقد يعكس رفضًا لصورةٍ زائفة عن الله رُسمتْ في أذهان الناس» (رقم 19). ومن ثمّ، فالملحد لا يُعدّ بالضرورة «أحمق»، بل قد يكون باحثًا صادقًا في مسيرةٍ طويلة نحو الحقيقة. كذلك، البابا فرنسيس يذكّر باستمرار في خطاباته أنّ «الكنيسة لا تُدين الملحدين بأشخاصهم»، بل تدعوهم إلى السير معًا في مسيرةٍ مشتركة نحو العدالة والرحمة، مشدّدًا على أنّ معيار الدينونة ليس الانتماء الظاهر، بل المحبّة العمليّة (راجع فرح الإنجيل، فقرة ١٤). إذًا، بينما نجد عند الأكوينيّ تعبيرًا يصف من لا يؤمن بالله بالحمق، ترى الكنيسة الكاثوليكية اليوم أنّ الأمر يتطلّب لغةً راعويّة وحواريّة، تميّز بين نقد الإلحاد بصفته ظاهرةً ثقافيّة أو فلسفيّة، وبين احترام الأشخاص الملحدين الذين يُدعون بدورهم إلى كرامة الضمير والبحث الصادق عن الحقّ.
ترجمة وتعليق الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





