الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
عظتي على (مر ١: ٢٩–٣٩؛ مز ٣٩ (٤٠): ٢، ٥، ٧–١٠؛ 1 صم ٣: ١–١٠، ١٩–٢٠)
أخواتي وإخوتي الأحبّاء،
نردّد هذه العبارة بسهولة. نصلّيها. نرنّمها. لكن كلمة الله اليوم لا تتركنا في منطقة الراحة، بل تضعنا أمام سؤال صعب: هل نريد حقًّا أن نصغي؟ وماذا نفعل إن تكلّم الله بما لا يريحنا؟
يبدأ سفر صموئيل الأوّل بجملة لافتة: «كانت كلمة الربّ نادرة في تلك الأيّام، ولم تكن الرؤى شائعة». هذا لا يعني أنّ الله صمت، بل يعني أنّ شعبه فقد القدرة على الإصغاء. فحين تُصاب الجماعة بالاعتياد، وحين تتحوّل العبادة إلى عادة، وحين تنشغل المؤسّسة بذاتها أكثر من انشغالها بالله، تصبح كلمة الربّ نادرة، لا لأنّها غائبة، بل لأنّها غير مسموعة.
عالي هو الكاهن. رجل الله. صاحب السلطة الدينيّة.
لكن النصّ يقول إنّ عينيه قد ضعفتا. وهذا ليس تفصيلًا عرضيًّا. في الكتاب المقدّس، ضعف النظر علامة ضعف التمييز. عالي لم يعد يرى ما يصنعه الله، مع أنّ الله يتكلّم في قلب المعبد، قرب تابوت العهد نفسه. ومع ذلك، لا يتكلّم الله إلى عالي، بل إلى صموئيل، الطفل. طفل بلا مكانة. بلا سلطة. بلا تكوين.
الله يختار الهشاشة، لأنّها لم تُفسد بعد. لكن صموئيل لا يعرف صوت الله. يظنّه صوت عالي. يركض إليه مرّاتٍ ثلاثًا. وهنا نلمس حقيقة عميقة: حين تعيش الجماعة زمنًا طويلًا تحت سلطة واحدة، قد تخلط بين "صوت الله وصوت المؤسّسة". ليس لأنّ المؤسّسة شريرة، بل لأنّها بشريّة. وهنا من الضروريّ أن نكون واضحين: الكتاب المقدّس لا يهاجم السلطة الكنسيّة في ذاتها، ولا يدعو إلى الفوضى أو التمرّد. على العكس، من دون عالي، لم يكن صموئيل ليتعلّم كيف يُصغي. من خلال الكاهن، تعلّم النبيّ أن يقول: «تكلّم يا ربّ». فالسلطة الكنسيّة ضروريّة، وخدمتها أساسيّة، وهي جزء من تدبير الله لشعبه. لكن في الوقت نفسه، يعلّمنا الكتاب المقدّس أنّ "السلطة ليست مطلقة". إنّها سلطة مشتقّة، تُقاس دائمًا بمدى أمانتها لسلطة المسيح. وحين تبتعد السلطة عن الإصغاء، وحين تتحوّل من خدمة إلى تملّك، يصبح النقد واجبًا إنجيليًّا، لا خروجًا عن الكنيسة. فالطاعة المسيحيّة ليست طاعةً عمياء، بل طاعةٌ تمرّ عبر الضمير المُستنير بكلمة الله. وهنا يُحسب لعالي أنّه، مع ضعفه، فهم أخيرًا. لم يحتكر الصوت. لم يُسكت الطفل. بل قال له: «إن عاد الصوت، قل: تكلّم يا ربّ، فإنّ عبدك يصغي». ثمّ تنحّى جانبًا. هكذا تكون السلطة خادمةً للحقيقة، لا بديلًا عنها.
يأتي المزمور ليؤكّد ذلك: «لم تطلب ذبيحة ولا تقدمة، بل فتحتَ لي أذنًا».
الله لا يريد طقوسًا بلا طاعة، ولا عبادة بلا عدالة. «ها أنا ذا» لا تعني استعدادًا لنشاطٍ دينيّ، بل استعدادٌ لوضع الحياة كلّها بين يدي الله.
في الإنجيل، نرى يسوع يعيش هذا الإصغاء بعمق.
يشفي المرضى، يحرّر المتألّمين، ويتجمّع كلّ أهل المدينة عند الباب. النجاح حاضر. الشعبيّة ترتفع. لكن يسوع لا يسمح للجموع أن تحدّد رسالته. في الصباح الباكر، ينسحب إلى مكان مقفر ليصلّي. وعندما يقول له التلاميذ: «الجميع يبحثون عنك»، يجيب: «لنذهب إلى مكان آخر… لأنّي لهذا خرجت». يسوع لا يُدار بالضغط، ولا بالنجاح، ولا بتوقّعات الناس. إنّه يصغي أوّلًا للآب. وحين يشفي حماة سمعان، تقوم وتخدم. الشفاء لا يعيد الإنسان إلى التبعيّة، بل إلى الفاعليّة.
التحرير الإنجيليّ لا يصنع متلقّين دائمين، بل شركاء في الرسالة.
أمّا الشياطين، فيُسكتها يسوع. لأنّها تعرفه، لكنّها لا تطيعه. المعرفة بلا اهتداء خطر، حتّى لو كانت معرفة صحيحة. واليوم، نحن في قلب هذا السؤال.
نعيش في عالم مليء بالأصوات: دينيّة، سياسيّة، إعلاميّة. كثيرون يتكلّمون باسم الله. لكن كلمة الربّ تصير نادرة حين تختلط بالسلطة، أو تُستخدم لتبرير ذاتها.
السؤال ليس: هل لم يزل الله يتكلّم؟ السؤال هو: هل نجرؤ على الإصغاء؟ وهل نقبل بما قد يقوله؟
صموئيل، حين أصغى، سمع كلمة صعبة. ويسوع، حين أصغى، سار نحو الصليب. أن نقول اليوم: «تكلّم يا ربّ، فإنّ عبدك يصغي»، لا يعني طلب الطمأنينة، بل قبول المخاطرة.
فليهبنا الربّ قلبًا يصغي،
وسلطةً تخدم،
وكنيسةً لا تخاف من صوت ربّها،
لأنّها تعرف أنّه وحده رأسها،
وأنّ الإصغاء له هو طريق الحياة.
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





