بقلم الأب يسطس الأورشليمى
تسلمت الكنيسة المسيحية من يدي الكنيسة اليهُودية هذا السفر ضمن أسفار العهد القديم، وقد احتل هذا السفر مركزاً خاصاً بين الأسفار لما يحمله من أسلُوب رمزي يُعلن عن الحُب المُتبادل بين الله وكنيسته، أو بين الله والنفس البشرّية كعضُو في الكنيسة..
وقد ضمت النُسخة العبرّية للتوراة التي جمعها عزرا الكاتب في القرن الخامس قبل الميلاد هذا السفر، كما تُرجم إلى اليُونانية ضمن أسفار النسخة السبعينية في القرن الثالث قبل الميلاد، دُون أي اعتراض أو شك من جهة معانيه الرُوحية، ربما يتساءل البعض:
لماذا أستخدم الوحي هذا الأسلُوب الرمزي الغزلي
في التعبير عن الحُب المُتبادل بين الله وكنيسته؟
أولاً: اعتاد الله أن يتحدث معنا خلال الوحي بذات الأسلُوب الذي نتعامل به في حياتنا البشرّية، فهُو لا يُحدثنا فقط باللغات البشرّية، بل ويستخدم أيضاً تعبيراتنا حتى لا يكُون الوحي غريباً عنا..
أن الوحي يتحدث مثلاً عن الله بأنه حزن أو غضب أو ندم .. مع أن الله كُلي الحُب لن يحزن لأنه لا يتألم، ولا يغضب إذ هُو مُحب، ولا يندم لأن المُستقبل حاضر أمامه، وليس شيء مُخفي عنه، لكنه متى تحدث الكتاب عن غضب الله، إنما يود أن يُعلن لنا أننا في سقطاتنا نُلقى بأنفسنا تحت عدل الله وما يُعلنه الوحي كغضب إلهي، إنما هُو ثمر طبيعي لخطايانا، نتيجة هرُوبنا من دائرة محبّته ودخُولنا في دائرة عدله..
بنفس الطريقة يستخدم الوحي التعبيرات البشرّية عندما يقُول: عينا الرّب نحُو الصدّيقين، وأذناه إلى صراخهُم، وجه الرّب ضد عاملي الشرّ (مز34)، فهل هذا يعني أن لله عينان أو أذنان أو وجه؟! إنما هُو يُحدثنا عن رعاية الله لنا بأسلُوبنا البشري ولغتنا التي نفهمها..
هكذا أيضاً إذ يتحدث الكتاب عن كرسي الله أو عرشه، فهل أقام الله له كرسياً أو عرشاً محدُوداً يجلس عليه؟ ألم تُكتب هذه كُلها لكي نتفهم ملكُوت الله ومجده حسب تعبيراتنا البشرّية؟!
على نفس النمط يُحدثنا الوحي عن أعماق
ما في حياتنا الرُوحية، ألا وهُو اتحادنا بالله خلال الحُب الرُوحي، فيستعير ألفاظنا البشرّية في دلائل الحُب بين العرُوسين، لا لتُفهم على مستوى الحُب الجسداني، وإنما كرمُوز تحمل في أعماقها أسرار حُب لا يُنطق به..
ثانياً: هذا المفهُوم للحُب الإلهي كحُب رُوحي يربط النفس بالله ليس غريباً عن الكتاب المُقدس، فقد استخدمه أنبياء العهد القديم، كما استخدمه رجال العهد الجديد أيضاً كما سنرى ذلك..
ثالثاً: عبارات هذا السفر نشيد الأناشيد لا يُمكن أن تنطبق على الحُب الجسداني، ولا تتفق مع القائلين أنه نشيد تغنى به سُليمان حين تزوج بابنة فرعُون أو ما يشبه ذلك، على سبيل المثال:
ليُقبلني بقُبلات فمه لأن حُبك أطيب من الخمر، هكذا تُناجي العرُوس عريسها، لكنها تطلب قُبلات آخر، مع أنها تُعلن له حُبك أطيب من الخمر، كيف يُمكن لعرُوس أن تطلب من عريسها أن يُقبلها آخر بينما تستعذب حُب العريس نفسه؟! يستحيل أن ينطبق هذا على الحُب الجسداني، لكنه هُو مناجاة الكنيسة للسيد المسيح عريسها..
تطلب الكنيسة قُبلات فم الآب، أي تدابيره الخلاصية، والتي تحقّقت خلال حُب الابن العملي، كقُول الكتاب المُقدس: الابن الوحيد الذي هُو في حضن الآب هُو خبر، راجع (يو18:1)..
كلّمنا بقُبلات الحُب العملي المُباشر، فالكنيسة لا تستحي أن تطلب من الابن قُبلات الآب، لأن ما هُو للآب فهُو للابن أيضاً، وما قدمه الابن بإرادته إنما قدمه طاعة للآب، لهذا يُؤكد الكتاب:
هكذا أحب الله (الآب) العالم حتى بذل ابنه الوحيد، وفي نفس الوقت يقُول: الذي أحبني وأسلم ذاته لأجلي، أن قُبلات الصليب لنا هي علامة حُب الآب والابن أيضاً (يو16:3؛ غلا20:2)..
استحالة انطباق هذه العبارة على أي حُب جسداني زمني، إذ لن تطلب العرُوس من عريسها قُبلات آخر غيره، لكن الحديث هُنا عن القُبلات الإلهية الرُوحية التي تحمل معنى الاتحاد والالتصاق الخفي لنكُون واحداً مع الآب في ابنه خلال قُبلات الصليب المُقدس..
لا تطلب العرُوس قُبلة أو قُبلتين أو أكثر، بل تُريد كُل قُبلات فمه، هذه إحساسات المُؤمن حين ينفتح قلبه لمحّبة الله، فإنه يرى كأنه لا يُوجد في الحياة إلا الله وهُو، فيطلب كُل حُبه له..
لقد سجل لنا الكتاب نوعيات مُختلفة من القُبلات، لكنها ليست بالقُبلات المُشبعة، فقد ودع لابان بنيه وبناته بالقُبلات، واستقبل يعقُوب حفيديه ابني يُوسُف بالقُبلات، وودعت نعمى كنتاها بالبكاء والتقبيل، وطلب إسحق من ابنه يعقُوب أن يتقدم ويُقبله ليأخذ بركة، وتقدم أبشالُوم ليُقبل أبناء الشعب ليكسب قلُوبهُم، وقُبل يُوناثان داود علامة الصداقة..
هذه كُلها قُبلات تمت بسبب رباط الدم أو القرابة أو الصداقة، أو علامة آلام الفراق، لكنها قُبلات مُؤقتة، أما الكنيسة فتطلب قُبلات الحُب الإلهي الأبدي، قُبلات فم الله التي لا تتوقف..
لرائحة أدهانك الطّيبة اسمك دُهنٌ مُهراقٌ، لذلك أحبتك العذارى، إذ تُشيد العرُوس برائحة عريسها الطيبة المُنعشة، وأن اسمه عطر كالدُهن المسكُوب، تُعلن أن العذارى قد أحببنه، هل يُمكن لعرُوس أن تفرح لأن عريسها موضع حُب عذارى غيرها؟ لكن العرُوس هُنا الكنيسة التي تُريد أن كُل المُؤمنين كالعذارى يحبُون عريسها المسيح..
أجذبني وراءك فنجري، كيف تغير ضمير المُتكلّم المُفرد إلى المُتكلّمين الجمع في عبارة واحدة؟! هل المُتكلّم مفرد أم جمع؟ أن كانُوا جمعاً، فكيف تلتقي الجماعة في حُب الواحد جسدياً؟ وأي عرُوس تطلب من عريسها أن يجتذبها، فتجري ومعها كثيرات نحو حُبه؟!
من هذه الأمثلة، وما على شاكلتها، يُظهر أن هذا السفر قد كُتب لحُب إلهي يربط الله بكنيسته ومُؤمنيه..
كتبه سُليمان الحكيم، الذي وضع أناشيد كثيرة، وقد لقب: نشيد الأناشيد، وذلك لأن تكرار كلمة نشيد تُشير إلى أفضليته على غيره من الأناشيد، كالقُول ملك الملُوك، ورّب الأرباب، قُدس الأقداس، سبت السبُوت، سماء السموات..الخ
إن كان سُليمان قد كتب سفر الجامعة مُدركاً حقيقة الحياة الأرضية، أنها باطل الأباطيل، فإنه إذ يتلامس مع الحياة السماوية وجدها نشيد الأناشيد، في سفر الجامعة يُعلن الحكيم أنه لا شبع للنفس خلال كثرة المعرفة، أما في سفر نشيد الأناشيد فتُشبع النفس، وتستريح تماماً بالحُب الإلهي، ولا تكُون بعد في عوز، في سفر الجامعة يتحدث عن كُل ما هُو تحت الشمس وإذا ليس فيه جديد، أما في سفر نشيد الأناشيد، فإذ تدخل النفس إلى أحضان الله ترى كُل شيء جديداً، راجع (1كو17:5)..
أن المُؤمن إذ يتذوق المحّبة المُتبادلة بين الله والكنيسة الجامعة، إنما يراها محّبة شخصية تمس حياته هُو بالذات، فالعلاقة التي تربط الله بالجماعة تُؤكد وتثبت العلاقة بين الله والنفس البشرّية، لا كعلاقة فردية خلالها ينعزل الفرد عن الجماعة، بل علاقة شخصية..
أن النفس في حالة ترنم مُستمر في مسيرة حياتها:
النشيد الأول وهي خارجة من المعمُودية والتبني لله..
والثاني تشرب من ينابيع الله التي تفيض في كنيسته..
والثالث وهي تتلمس رعاية الله المُستمرة وهي في البرّية..
والرابع تسبحه أثناء جهادها في حياتها كالنحلة (دبُورة)..
والخامس تترنم به كُلما تحظى بغلبة فتملُك مع الرّب..
والسادس تنشد به مع الأنبياء حيثُ الأسرار الأبدية..
والسابع هُو سفر نشيد الأناشيد الذي تنطلق به إلى الأبد، حين تدخل إلى حضرة العريس السماوي وجهاً لوجه..
سفر نشيد الأناشيد في الحقيقة هُو: سمفُونية رائعة، تطرُب بها النفس المُنطلقة من عبُودّية هذا العالم، مُتحرّرة من سُلطان فرعُون الحقيقي الشيطان متكئة على صدر رّبها، تدخل أورشليم السماوية في حرّية مجد أولاد الله، لهذا لا يتحدث هذا السفر عن وصايا أو تعاليم، بل عن سرّ الحُب الأبدي، والحياة مع العريس السماوي الأبدي..
هُو: سيمفُونية القلب المُتحد مع مُخلصه، هُو: نشيد فريد في نُوعه وفي معانيه، يترنم به مَن تقدس بدم الحمل، داخلاً بدالة الحُب إلى قُدس الأقداس السماوي بغير رُوتين أو رسميات، حتى يستقر في حضن الآب، مُرتفعاً فُوق كُل فكر مادي إلى الفكر الرُوحي الحقّ..
هُو: أغنية الحُب الإلهي، مُسجلة برمُوز غزلية تحمل معان سماوية، يترنم بها الناضجُون رُوحياً الذين انطلقُوا سالكين بالرُوح..
المسيح ليس مُجرد أعمال تُعمل، ولا معلُومات تُدرس، ولا طقُوس تُمارس، بل شخص يُقابل، ورفيق يُصاحب، وحياة تُعاش..
في فن الرسم مَن يتأملصُورة تكّونت باستخدام الألوان بطريقة ماهرة لا يقف بصره عند حدُود الألوان، بل بالحري يتطلع إلى الشكل الذي أوجده الفنان بألوانه، هكذا يليق بنا في دراسة الكتاب المُقدس ألا نقف عند مادة الألوان، بل ننظر شكل الملك الذي تُعبر عنه مفاهيم الذهن الطاهر خلال الكلمات، أما الشكل الذي عبرت عنه هذه الكلمات فهُو: هالة الكمال الطُوباوية، الاتحاد مع الله، والمجازاة عما هُو بحقّ صالح وجميل، فتقُول النفس:
جيد يارّب أن نكُون ههنا (مت4:17)..
كُتب سفر نشيد الأناشيد حين كان قلب سُليمان الحكيم في قمة انفتاحه على الحُب الإلهي، وكُتب سفر الأمثال حين كان الملك في عظمة مجده وحكمته قبل أن يُخطيء، أما سفر الجامعة فكتبه مُؤخراً حين تقدم في السن، كشهادة حيّة وعملية عن عمق توبته، فنجد هُنا اختباره الشخصي عبر سنين طُويلة، مُحدثاً إيانا بلغة حكمة الأيام..
نُلاحظ أن: هذه الأسفار الثلاثة تُطابق أنواع النسك الثلاثة، كما تطابق دعُوة الله لأبينا إبراهيم بالتخلي عن كُل شيء:
سفر الأمثال يُشير إلى نُسك الجسد، وزهده عن كُل الملذات والخطايا الجسدية، وهُو يطابق الدعُوة: اترك أرضك..
سفر الجامعة يُشير إلى الزهد عن العادات الزمنية، بكُون العالم باطل، وفي هذا يطابق الدعُوة: اترك عشيرتك..
سفر نشيد الأناشيد يُشير إلى تحرّر النفس باتحادها مع العريس السماوي، بالتأمل في السماويات، وهي تُقابل دعُوة الله لإبراهيم:
اترك بيت أبيك، لقبُول الله الآب السماوي الأبدي..
هذه الدرجات الثلاثة التي تُمثلها الأسفار الثلاثة، تُحقّق دعُوة السيد المسيح للنفس البشرّية: انسي شعبُكِ، وبيت أبيكِ، لأن العريس اشتهى حُسنكِ، وله تسجدين (مز11:45)..
يرتفع سُليمان فُوق كُل ما يُمكن إدراكه بالحواس، وذلك بحركة الحُب التي لنفُوسنا متجهة نحو الجمال غير المنظُور، بهذا يتنقى القلب، ليدخل بالنفس إلى المقدس الإلهي بواسطة نشيد الأناشيد..
يتحدث نشيد الأناشيد عن عدة شخصيات هُم:
أولاً: العريس، وهُو المسيح الذي يُخطب الكنيسة عرُوساً مُقدسة له، لكي يُحضرها لنفسه كنيسة مجيدة (أف27:5)..
ثانياً: العرُوس، وهي الكنيسة الجامعة، أو المُؤمن والنفس البشرّية كعضُو حيّ في جسد المسيح، وتسمى شُولميت..
ثالثاً: العذارى، وهُم المُؤمنُون الذين لم يبلغُوا بعد العمق الرُوحي، لكنهُم أحرزُوا بعض التقدم في طريق الخلاص..
رابعاً: بنات أورشليم، ويمثلن الأمة اليهُودية التي كان يليق بها أن تكرز بالمسيّا المُخلّص المُنتظر، لكنها رفضته..
خامساً: أصدقاء العريس، وهُم الملائكة الذين بلغُوا الإنسان الكامل، إلى قياس قامة ملء المسيح (أف13:4)..
سادساً: الأخت الصغيرة، وهي تُمثل البشرّية التي في حاجة لمَن يخدمها ويرعاها ويقُودها في المسيح يسُوع رّبنا..
الخلاصة
أن الحياة التي لا تتمركز في الله تصبح بلا معنى، بدُونه ليس من شيء يُشبع، وبه تصبح الحياة وكُل عطاياه الأخرى الصالحة هبات من عنده، نستخدمها ونتمتع بها، فالله لا يُريد أن يُحطم إمكانياتنا البشرّية بل أن يُقدسها إن قبلنا عمله فينا، أما إن اتكلنا على ذواتنا فكبرياؤنا هُو الذي يحطم كُل حياتنا ويفسدها، لذلك يقُول الرّب: لأنكُم بدُوني لا تقدرُون أن تفعلُوا شيئاً (يو5:15).. إن كان أحدٌ يُجاهد، لا يُكلّل إن لم يُجاهد قانُونياً (2تي5:2)..





