لماذا لا تمثل «الصهيونية المسيحية» الإيمان المسيحي ولا الكنائس؟

حنـان فــكري

المسيحية… إيمان يفتح العيون على حقيقة تتجاوز العروش والسياسات، يشق طريقه عبر التاريخ، لا يعرف حدودًا، ولا ينحني أمام أجندات احتلال، ولا يصبح أداة لقوى خارجية. الكنائس التي طالما تضامنت مع أهل فلسطين، بعضها يسكن الأرض نفسها ويكتوي بنار احتلالها، ظلت عبر العقود ترفع صوتها على المذابح اليومية، تصرخ مع المظلومين، وتسمع دماء الأبرياء، لتجد اليوم نفسها في موقف دفاعي صعب، يحمل ثقل الاتهام الذي قد يصم أتباعها.

اليوم، تواجه المسيحية اتهامات بالصهيونية، تستهدف كافة طوائفها حين يلصق البعض بها صفة تيار أو حركة سياسية، متجاهلين أن أي دين، وأيًا كان، يمثل جوهره الروحي فقط، بعيدًا عن أي تحالف سياسي أو نزاع دموي، داخليًا كان أو خارجيًا. البعض من أتباعه قد يوافق، والآخر قد يرفض، وإذا كان العدد الإجمالي للمسيحيين حول العالم يتجاوز 2.5 مليار نسمة، بحسب مركز “بيو” الأمريكي للأبحاث حول الديانات، ما يجعلهم أكبر مجموعة دينية على سطح الأرض، ومن ثم فإن أي فكرة أو ممارسة تنتمي لجماعة محددة، كبيرة كانت أو صغيرة، لا تمثل المسيحية بأسرها.

في الأسابيع الأخيرة، يتم تدوير مصطلح «المسيحية الصهيونية» إعلاميًا على منصات مختلفة، لم يكن ذلك أمرًا مقبولًا لدى قطاع واسع من المسيحيين، بل اعتبره البعض ممارسة تضليل معرفي، تُحمل ديانة كاملة وزر مشروع احتلال، وتُلصق بإيمان تاريخي مواقف جماعات هامشية، في خطاب يرقى إلى تمييز ديني وتحريض غير مباشر، يعاقب عليه القانون، لأنه ينقل صراعًا سياسيًا دوليًا إلى نسيج المجتمع الوطني، ويزرع الشك على أساس العقيدة لا الفعل. هنا لا يكون الخطر في المصطلح ذاته، بل في استخدامه بلا تفكيك، وبلا سياق، وبلا مسؤولية.

خاصة وأن تاريخ الكنائس، الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية، وبيانات المجامع، ومواقف مجلس الكنائس العالمي، وصلوات الأديرة، وشهادات القساوسة والكهنة والرهبان، كلها تقول شيئًا واحدًا لا لبس فيه: المسيحية لم تكن يومًا حليفًا للاحتلال، ولا شريكًا في العدوان، ولا صامتة أمام غزة وفلسطين. كنائس تدين القتل، وتطالب بوقف الحرب، وتدافع عن المدنيين، وتُعلن بوضوح أن الإيمان لا يُستعمل لتبرير الجريمة.

والاستناد لوجود ما يسمى بالصهيونية المسيحية، في تيار محدود ينتمي للطائفة الانجيلية الغربية، هو حق يراد به باطل، لأنه حق مبتور غير أمين، يترك للمتلقي مساحة من الخيال الخصب تدعم تصوراته المتشككة حول موقف اولئك الذين تلتصق كلمة صهيونية بدينهم.

ورغم ذلك، خرجت روايات إعلامية مبتورة، عن «تدريب قساوسة إنجيليين امريكان لتبييض وجه إسرائيل»، ثم أُلقي بها في الفضاء المصري منزوعة من سياقها الغربي، بتعميم مُخل، وبدون إدراك لاختلاف البيئات، لتتحول من خبر خارجي محدود إلى شبهة داخلية عامة، ومن واقعة سياسية إلى اتهام ديني، يُنتج مناخًا يرى في كل مسيحي متهمًا محتملًا، وفي كل إنجيلي مشروع خيانة، وهو منطق لا يسيء لطائفة بعينها فقط، بل يهدم فكرة المواطنة ذاتها. ومن غير المعلوم كيف سيتم التقاطه من المأفونين دينيًا، ليس فقط في مصر بل في العالم كله، وما كان توقًعا صار واقعًا بعد أن احرق مجهولون شجرة الميلاد في باحة كنيسة دير اللاتين بمدينة جنين الفلسطينية – وفقًا لتصريحات المطران عطالله حنا- مطران رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس في القدس، الذي شدد عقب الواقعة على أن المسيحيين الفلسطينيين ثابتون في إيمانهم وانتمائهم لوطنهم رغم أي محاولات للإساءة إليهم أو رموزهم الدينية. وذكر بمسيرة المسيحية عبر التاريخ وكيف صمدت رغم الممارسات العدائية التي تعرضت لها، مستمرة في نشر رسالتها التي تعزز القيم الإنسانية والرحمة والسلام.

أشعياء النبي المُتهم
وهكذا تحول الخبر الصغير الى كابوس جاثم على صدر اتباع المسيحية، مع حلول اعياد الكريسماس، والأخطر من ذلك، استمرار اطلاق الاتهامات الذي وصل الى الانزلاق للتشكيك في أسس الإيمان نفسه، سواء اليهودي أو المسيحي، عبر العبث بتاريخ الكتاب المقدس، والادعاء بأن سفر إشعياء كُتب لأغراض سياسية حديثة، في طعن فج يندرج تحت ازدراء الأديان، ويهدم وحدة النص المقدس بعهديه القديم والجديد، ويكشف أن المعركة لم تعد مع موقف سياسي، بل مع فكرة الإيمان بوصفها إيمانًا، إذ تم سحب الكتب المقدسة إلى ساحات الاتهام، وهي ليست إساءة إلى الدين وحده، بل إعادة لتشكيل الوعي العام على أسس هشة وخطرة. فالتشكيك في النصوص الدينية يمنح المتطرفين مادة خام جاهزة، يقتطعون منها ما يخدم سردياتهم العنيفة، والدموية، ويحولون الجدل الفكري إلى وقود للصراع، فينقلب المجتمع من فضاء للتعدد إلى مسرح للاستقطاب والعداء.

ولأن هذه ليست معركة مصطلحات، بل معركة وعي؛ بين إعلام يحترم العقل، وآخر يقتات على الفتنة، نتنبنى هنا إعلان حق- ليس موقفًا دفاعيًا- لايضاح ما التبس على البعض ليستقر في الوعي الجمعي للقراء حقائق مدعومة بالأدلة بعيدًا عن التعميم أو التسييس.

الصهيونية واليهودية
وفقًا للموسوعة السياسية البريطانية، فإن الصهيونية حركة سياسية قومية تهدف إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين التاريخية، ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر، وتأسست رسمياً في مؤتمر بال عام 1897، اعتمادًا على رابط تاريخي وديني يُسمى “صهيون”. وكلمة صهيون وردت في العهد القديم، وتشير إلى جبل صهيون في القدس، ثم أصبحت رمزًا دينيًا- تاريخيًا لأرض “الموعد” إسرائيل في الوعي اليهودي، وتعتبر الصهيونية أن اليهود أمة تحتاج إلى كيان سياسي خاص بها، الأمر الذي أدى الى تأسيس دولة إسرائيل عام 1948.

ووفقًا للمفكر القبطي سمير مرقص في مقاله المنشور في المصري اليوم بتاريخ يناير 2018 : فإن توطين اليهود فى فلسطين مسألة تداخلت فيها المعتقدات التوراتية والطموحات الإمبريالية السياسية والاستراتيجية، والمفاهيم التي مثلت قاعدة فكرية وسياسية ودينية لمسيرة الصهيونية الدينية/ السياسية، لاحقا، مفادها: أولًا: اليهود هم شعب الله المختار والمُفضل. ثانيًا: الأفضلية هى نتاج وعد إلهى. ثالثًا: ربط الإيمان بعودة السيد المسيح بقيام دولة صهيون.

“الملك الألفي”
يعود ظهور مصطلح “الصهيونية المسيحية” إلى اختلاف التفاسير حول ما ورد في سفر الرؤيا في الكتاب المقدس للمسيحيين، عن أن المسيح سيقيم حكمًا يستمر ألف سنة قبل نهاية العالم، وذلك بناءً على تفسير سفر رؤيا يوحنا اللاهوتي في الاصحاح الأول من آية 6 الى آية 20، (20:1–6)، وفترة الألف سنة أو ما يعرف بـ”المُلك الألفي”، تسود حولها ثلاثة تفسيرات مختلفة تتعلق بنهاية الزمان، وتحديدًا بما يحدث قبل أو بعد “يوم الدينونة”، التفسير الأول معتقد الألفية الحرفية: يعكس ما يؤمن به فئة محدودة عن أن المسيح يعود في البداية ليحكم لمدة ألف سنة قبل الدينونة، والثاني تفسير الألفية رمزية: ويعكس فكر الأغلبية العظمى من الكنائس المسيحية، ويعني أن الألف سنة رمزية لسلطان المسيح الروحي، أما التفسير الثالث ما بعد الألفية: ويؤمن به جماعة محدودة أيضًا، ترى أن المسيح سيعود بعد عصر من السلام والعدل تتحقق فيه قيم الإنجيل تدريجيًا، وليس قبل الألف سنة.

وهذه التصنيفات معترف بها في الدراسات اللاهوتية المعاصرة، ولا تُعد اجتهادًا عشوائيًا. وإزمة الاعتقاد اللاهوتي الذي تبنته مجموعة محدودة تنحدر عن الطوائف البروتستانتية الغربية، والذي يقوم على تفسير حرفي لسفر الرؤيا، ويرى أن المسيح سيعود ليملك ملكًا زمنيًا على الأرض لمدة ألف سنة، لم تكن محل إجماع مسيحي تاريخيًا، ولا كانت أبدًا محل اجماع للطوائف الإنجيلية، بل ظهرت عرضًا في بعض الكتابات الأولى، وكان هدفها الأساسي نفي أي امتياز روحي عن اليهود غير المؤمنين بالمسيح.

علاقة التفسير الحرفي بالاحتلال الإسرائيلي
يرتبط التفسير الحرفي لمعتقد «المُلك الألفي» –كما تتبناه بعض التيارات الأصولية الغربية– ارتباطًا مباشرًا بتوفير غطاء ديني لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي، لا بوصفه حدثًا سياسيًا طارئًا، بل باعتباره «مرحلة لازمة» في سردية خلاص لاهوتية مُسبقة. فوفق هذا التفسير، فإن الأرض ليسا وطنًا لشعب حي له حقوق تاريخية وإنسانية، بل ساحة نبوءات يجب أن تُستكمل مهما كان الثمن، ويُعاد تعريف الظلم باعتباره «تحققًا إلهيًا»، والعدوان باعتباره «ضرورة زمنية» تسبق عودة المسيح.

هنا تتحول فلسطين من قضية تحرر وحق تقرير مصير إلى تفصيل هامشي في سيناريو ديني مغلق، وتُبرر سياسات القتل والتهجير والاستيطان بوصفها أدوات في «مخطط سماوي»، لا انتهاكات تستوجب الإدانة. هذا الربط الخطير يدعم الاحتلال عسكريًا عبر اللوبيات والضغط السياسي، ويمنحه شرعية أخلاقية زائفة، تُجمد التعاطف مع الضحايا، وتُعطِّل أي مساءلة، لأن ما يجري –وفق هذا المنطق– ليس جريمة يمكن وقفها، بل «نبوءة» لا يجوز تعطيلها، وهو ما يجعل التفسير الحرفي للألفية أحد أخطر أشكال توظيف الدين لتكريس الظلم واستدامته. وتهويد الروح المسيحية، وهنا لا نختلف على خطورة استخدام التفسير، لكن ما نختلف عليه هو أنه من محدودية داعمي هذا التفسير، وانتمائهم الغربي، إلا أن البعض يريد سحب الدين للمعركة على البساط الشرقي، والترويج للتفسير باعتباره تفسيرًا مسيحيًا خالصًا، بالرغم من أن الأدلة التاريخية والدينية تثبت تفسيرات عكسية.

تهويد النص
وفي هذا الصدد ووفقًا لما نقله دكتور سمير مرقص، المفكر القبطي، عن دراسات وليم سليمان قلادة حول المهارة الصهيونية فى استخدام الدين لخدمة أغراضها منها دراسة تحت عنوان “المسيحية تدحض الصهيونية” (نشرت في ثلاث حلقات بدورية مرقس في يناير ومارس ومايو 1974)؛ فند قلادة التفسير الصهيونى للكتاب المقدس فيما يتعلق بتوظيف المسيحية لتبرير الأطماع الإسرائيلية، كما أشار الى أنه على الرغم من أن الصهيونية حركة علمانية سياسية، فإنها استعملت كل حجة لمساندة مخططاتها، وفي المقدمة فكرة عودة اليهود إلى فلسطين الموجودة في العهد القديم، ومن ثم إنشاء وطن لهم على أرض فلسطين، استنادا الى الكتاب المقدس (يمكن مراجعة كتاب «الكنيسة المصرية تواجه الاستعمار والصهيونية» 1968، كما يؤكد غالي شكري في كتابه: “أمريكا والحرب الفكرية ــ 1968 “: الجهد الدؤوب الذي بذلته الصهيونية العالمية من أجل تهويد المسيحية، بينما المسيحية الحقيقية بريئة تمامًا، حيث نصوصها تدحض الصهيونية كليًا.

ولم تكن التفسيرات الشرقية فقط هي المنحازة ضد الصهيونية بل أن «الدليل المرجعي في علم آخر الزمان» والذي حرره جيري إل. وولز، ينظر إلى معتقد الألفية في المسيحية عبر طيف من التفسيرات اللاهوتية — حرفية ورمزية وبعدية — مما يوضح أن القراءة الزمنية الحرفية ليست المعيار الوحيد، وأن النصوص النبوئية تُفهم ضمن سياقات روحية وتاريخية أوسع. وبحسب معاجم اللاهوت المسيحي المعتمدة مثل معجم الكتاب المقدس “أنكور ييل”، فإن معتقد “المُلْك الألفي” يتخذ تفسيرات متعددة عبر التاريخ، ويتجاوز التفسير الحرفي الضيق الذي يربط الألف سنة بحكم سياسي أو زماني للمسيح على الأرض، ليشمل فهمًا روحيًا ومعنويًا لسلطان المسيح في حياة المؤمنين والكنيسة، حيث يمثل المُلك الألفي في هذا السياق ملكوتًا روحيًا مستمرًا يعكس عدل الله وسلطانه دون الالتزام بحساب زمني محدد.

ومن هنا، فإن الخلط بين الصهيونية المسيحية والمسيحيين عمومًا، أو بين الإنجيليين كطائفة دينية وهذا التيار السياسي العقائدي، يُعد تضليلًا معرفيًا وخطابًا خطرًا، لأنه ينقل صراعًا سياسيًا دوليًا إلى داخل المجتمعات الوطنية، ويزرع الشك على أساس ديني، وهو ما يتناقض مع مبادئ المواطنة والسلم الاجتماعي، وذلك (وفقًا لتقارير مجلس الكنائس العالمي حول الدين والصراع السياسي).

كما أن أغلب اللاهوتيين البروتستانت، رفضوا هذا التفسير رفضًا قاطعًا، معتبرين أنه يتناقض مع روح الكتاب المقدس، ويعتمد على تأويل حرفي محدود لآيات قليلة، ويتصادم مع نصوص واضحة تتحدث عن قيامة واحدة ودينونة واحدة ونهائية. كما رأوا أن اختزال الملكوت في حكم أرضي مادي يعيد إنتاج الخطأ اليهودي القديم في انتظار مسيح سياسي، ويحول المسيحية من طريق صليب ورجاء سماوي إلى مشروع زمني قابل للتوظيف السياسي. وخلص هؤلاء إلى أن ملك المسيح ليس دولة ولا زمنًا، بل سلطان روحي في قلب الإنسان، وأن تحويل الإيمان إلى أداة سياسية هو تشويه للرسالة المسيحية ذاتها. ويتأكد ذلك في بيان الكنيسة الإنجيلية الذي أصدره القس اندريا ذكي منذ أيام يدحض فيه ذلك الإدعاء.

الكنيسة المشيخية الأمريكية
ولا يظهر ذلك في موقف الكنيسة الانجيلية المصرية فقط بل يظهر أيضًا في موقف الكنيسة المشيخية الإنجيلية في أمريكا التي أدانت العدوان على غزة، ففي مايو الماضي، اعلنت العديد من الجمعيات العامة للكنيسة المشيخية في الولايات المتحدة الأمريكية إضرابًا لمدة 40 يوما تضامنًا مع أهل غزة، ودعت إلى وضع حد للعنف. وتناول 250 سعر حراري فقط خلال الإضراب عن الطعام، وهو نفس عدد السعرات التي يتحصل عليها الفرد في غزة يوميًا بسبب الحرب، وشارك في الإضراب مجلس مشيخة شيكاغو “ويمكن لمن يريد التحقق الاطلاع على موقع الأخبار المشيخية التابعة للطائفة الإنجيلية في أمريكا”.

فكيف يمكن اختزال الأغلبية المتضامنة في أصوات لها تفسير خاص محدود، ويتم طرح الاستثناء على العامة وكأنه هو القاعدة الأصيلة، وتصوير الإنجيليين وكأنهم عملاء يجري إعدادهم جواسيسًا حول العالم لصالح المشروع الإسرائيلي؟!.

معركة آخر الزمان
مما سبق نخلص الى أن ما يُعرف بـ«الصهيونية المسيحية» ليس مذهبًا مسيحيًا، ولا يمثل المسيحية، وحتى لا يكون طرحنا مرسلًا لدينا عدد من الاستشهادات: نعرض لرؤية كتاب «الصهيونية المسيحية: خريطة الطريق إلى هرمجدون» و”هرمجدون” تعني المعركة الفاصلة في آخر الزمان بين الخير والشر، والكتاب للباحث ستيفن سايزر – قس أنجليكاني وباحث لاهوتي بريطاني متخصص في نقد الصهيونية المسيحية، ويُعد من أبرز معارضي الصاق الصهيونية بالمسيحية يقول عن التيار المؤيد للصهيونية: “هذا التيار لاهوتي سياسي نشأ داخل مجموعة محدودة تنتمي للبروتستانتية الأصولية في الغرب، ولا يمثل المسيحية ولا الطوائف الإنجيلية، ويرتكز على تفسير حرفي خاص للكتاب المقدس يُسمى «التفسير التدبيري للتاريخ»، يربط بين قيام دولة إسرائيل عام 1948 وبين تحقيق نبوات كتابية، وتهيئة المسرح لعودة المسيح الثانية، وهو ما جعله جزءًا فاعلًا من اللوبي المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة، خاصة في سبعينيات القرن الماضي، وفقًا لدراسة جامعة أكسفورد الموثقة تحت عنوان ” المسيحية الإنجيلية والصهيونية السياسية”. لذلك لا يمكن التصاق كلمة صهيونية بالديانة المسيحية بأي شكل من الأشكال.”

ويخلص المؤلف ستيفن سايزر إلى أن التفسير الحرفي للحكم الألفي للمسيح، هو الحط من شأن قيمة الرب أن يملك على الأرض، ودعا سايزر لوجوب أن يكون ᾽العهد الجديد’ دليل جميع المسيحيين، وأن العهد القديم لفهم جوهر العهد الجديد وليس لتفسيره لصالح شعب بعينه.

مرفوض أرثوذكسيًا
وفقًا لكتابات اللاهوتي الأرثوذكسي الأب جون رومانيدس، ودراسات الأب تيماوثي وير – أسقف ولاهوتي أرثوذكسي بريطاني بارز، ومؤلف كتاب الكنيسة الأرثوذكسية، فاللاهوت الأرثوذكسي يعارض الصهيونية المسيحية لأنه يفصل بين الإيمان والمشروعات السياسية- حيث يفصل بوضوح بين الإيمان والسياسة، ويرفض تحويل النص الديني إلى أداة لتبرير الصراعات أو الاحتلال أو الحروب، معتبرًا أن ملكوت الله «ليس من هذا العالم»، ولا يُقام بخرائط ولا بجيوش (وفقًا لشرح قانون الإيمان المسيحي المُتفق عليه في الاجتماع الرسمي العالمي للكنائس، في نيقية، وذلك ضمن التقليد الأرثوذكسي.)

أيضًا وفقا لكتاب “اللاهوت المقارن” للبابا شنودة الثالث، في الفصل السابع منه: الحكم الألفي يتناول رفض التفسير الحرفي لفكرة أن المسيح سيملك مَلَكًا زمنيًا على الأرض لألف سنة مميزة، ويؤكد أن ملك المسيح قائم بالفعل منذ قيامته كملك الروح والكنيسة.

ووفقًا لكتاب “الملك الألفي والمجيء الثاني والاختطاف” للأنبا رافائيل أسقف عام كنائس وسط القاهرة، يقدم تحليلًا لما هو مكتوب في رؤيا يوحنا اللاهوتي الإصحاح رقم 20، مؤكدًا أن الألف سنة نفهمها رمزيًا ضمن خطة الله للخلاص وليس كحكم زمني حرفي.

ووفقًا للتفسير التاريخي للقمص تادرس يعقوب ملطي، فإن النصوص في الكنيسة الأولى تجاهلت التفسير الحرفي لألف سنة، واعتبرها تصويرًا رمزيًا للحياة الروحية للمؤمنين.

مدينة الله ضد الوثنيين
وفقًا للتقليد الكاثوليكي، ولكتاب «مدينة الله ضد الوثنيين» (De civitate Dei contra paganos)، للقديس أوغسطينوس – شخصية محورية في الكنيسة الكاثوليكية – والكتاب من أهم الأعمال في الفكر المسيحي الغربي، يقول البابا أوغسطينوس في كتابه: الألفية تعكس الهيمنة الروحية للمسيح وليس مشروعًا سياسيًا أو دولة أرضية، وأي تفسير حرفي أو ربطه بزمن سياسي يُعد ابتعادًا عن روح الكتاب المقدس، وتحويلًا للمسيحية من رسالة خلاص ورجاء سماوي إلى أداة سياسية يمكن توظيفها.

والمفهوم غير مقبول تعليمًا لدى الكاثوليك، لأنه يشتبه في تحقيق مملكة الله بطريقة تاريخية بحتة قبل القيامة العامة. ويبين أن العقيدة الكاثوليكية ترى أن الفترة المحتملة لـ1000 سنة تكون رمزية وعلاقة ملك المسيح قائم في الكنيسة وليس في عهد زمني منفصل. وتؤكد المراجع أن تفسير النص النبوي عن الحكم الألفي يجب أن يُقرأ في سياقه الروحي وأن الكنيسة لا تنتظر “ملكية جسدية” للمسيح على الأرض لمدة ألف سنة، لكن الملك موجود في قلوب المؤمنين وفي الكنيسة.

مما سبق نخلص الى أن طرح مصطلح «المسيحية الصهيونية» لم يأت في هذا التوقيت بريئًا ولا معزولًا عن السياق، بل خرج تحت ضغط الغضب المشروع تجاه ما يجري في فلسطين من تنكيل لأهلها، لكن محاولة البحث عن خصم إضافي يُحمل وزر المأساة خطأ يرتقي الى حد الجريمة، يتحول معه الانحياز للقضية الفلسطينية، وهي قضية عادلة بلا نقاش، إلى خلط متعمد بين دين كامل وتيارات سياسية محدودة، أو إلى تعميمٍ يختزل ملايين المؤمنين في مواقف أقلية صاخبة. فالضغط من أجل فلسطين لا يحتاج إلى شيطنة المسيحية، ولا إلى استدعاء مصطلحات ملتبسة تُربك الوعي العام، حتى لو كانت تعود نشأة قديمة، لكن اعادة تصديرها يفتح جبهات وهمية داخل المجتمعات الوطنية. كما أن هذا الطرح، بدلًا من أن يخدم القضية، يُضعفها، لأنه ينقل الصراع من كونه صراعًا ضد احتلال إلى صراع ديني مفتعل، ويمنح الاحتلال ما يبحث عنه دائمًا: تفكيك جبهة التضامن الإنساني الواسع، وتحويل العدالة إلى خصومة طائفية، وهو خطأ أخلاقي وسياسي في آن واحد.

إشعياء النيي والقرن ١٥
أما الإدعاء الثاني عن أن سفر إشعياء النبي، كُتب في القرن الخامس عشر بهدف سياسي، فهذا ليس مجرد خطأ إعلامي، بل انتحال تاريخي ونصي فاضح، فالنص نفسه يربط السفر بالنبي إشعياء بن آموص الذي عاش في القرن الثامن قبل الميلاد، في أيام ملوك يهوذا عزيا ويوثام وآحاز وحزقيا، كما جاء صريحًا في: «رؤيا إشعياء بن آموص التي رآها على يهوذا وأورشليم في أيام عزيا ويوثام وآحاز وحزقيا ملوك يهوذا» الاصحاح الأول الآية الأولى (إشعياء 1: 1) ، أي قبل القرن الخامس عشر بأكثر من ألفي عام. ويدعم التاريخ السياسي والأثري هذا التحديد الزمني، فالسفر يعالج تهديد آشور وسقوط المملكة الشمالية، وتظهر المخطوطات القديمة في قمران التي ترجع إلى القرن الثاني قبل الميلاد أن السفر كان متداولًا ومقدسًا قبل آلاف السنين، بعيدًا عن أي سياق سياسي حديث.

النص نفسه يكشف أن إشعياء لم يكتب لمصلحة أي سلطة، بل لمواجهة الفساد السياسي والاجتماعي، كما يقول: «ويلٌ للذين يقضون أقضية الباطل، وللكتبة الذين يسجلون جورًا» في الإصحاح العاشر من نفس السفر (إشعياء 10: 1)، ويدعو للعدل والإنصاف: «تعلموا فعل الخير، اطلبوا الحق، أنصفوا المظلوم، اقضوا لليتيم، حاموا عن الأرملة» (إشعياء 1: 17). كل هذا يؤكد أن السفر خطاب أخلاقي نبوي، لا دعاية سياسية، وأن محاولة تحريفه لخدمة أجندات معاصرة ما هي إلا استغلال جهل جانب من الجمهور للنصوص الدينية، وإنتاج فتنة معرفية باسم الدين.

نبوءة ميلاد المسيح
هذا فضلًا عن أن السيد المسيح ذاته تحدث في أكثر من موضع من الأناجيل الأربعة عن نبوة إشعياء النبي، فكيف يمكن تصور أن المسيح في القرن الأول الميلادي يشير إلى إشعياء، ثم يأتي بعض الساسة بعد خمسة عشر قرنًا ليكتبوا جزءًا من الكتاب المقدس تحت اسم إشعياء لتوظيفه سياسيًا؟ ويمكن إثبات ذلك من قلب آيات الكتاب المقدس نفسها، ففي ميلاد المسيح من العذراء، الذي تؤمن به كافة الطوائف المسيحية والدين الإسلامي أيضًا، يقول العهد الجديد في إنجيل متى، الإصحاح الأول، الآية 23: “هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ، الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اللهُ مَعَنَا.” وهذه النبوءة تتطابق مع ما ورد في سفر إشعياء، الإصحاح السابع، الآية 14: “لِذَلِكَ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْنًا، وَتَدْعُو اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ.”

المسيح يتحدث عن أشعياء
بالإضافة الى الأدلة السابقة يأتي الدليل التاريخي القاطع، فالسيد المسيح ذاته تحدث عن إشعياء النبي، ويظهر ذلك في الأناجيل، وفيما يلي بعض الأمثلة الموثقة:

إنجيل متى، الاصحاح السابع عشر ” 12:17-21 ” يسوق متى كلمات المسيح المقتبسة من إشعياء: لِيُتَمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ إشَعْيَاءَ القائلِ: هُوذا يَسْمَعُ اللهُ، خَادِمِيَّ الصَّادِقُ، يَدْعُو الأُمَمَ إلى التوبة، لا يُعْلِن صَوْتَهُ في الميادين، ولا يكسر قصبة مكسورة، ولا يطفئ قنديلاً مُضاء”.. هذا اقتباس مباشر من إشعياء 42:1-4.

وفي إنجيل لوقا، الاصحاح السابع عشر أيضا “4:17-21 “.. عند قراءة المسيح في المجمع: “وَفُتِحَ لَهُ سِفْرُ النَّبِيِّ إشَعْيَاءَ، فَوَجَدَ المَقْطَعَ الَّذِي كَانَ مَكْتُوبًا: «رَحْمَةً أَرْسَلَنِي اللهُ لأُبَشِّرَ المَسَاكِين، أَفْرَجَ العِبَادَ وَالمَكْبُوتِينَ»، فَغَلَّقَ السِّفْرَ وَأَعْطَاهُ لِلخادم، وَجَلَسَ، وَقَالَ لَهُمْ: «اليوم تَمَّ هذَا الكِتَابُ فِي آذَانِكُمْ.”.. هنا يقتبس المسيح عن إشعياء 61:1-2، مؤكدًا على صلة نبوءات إشعياء بمهمة الفداء والخلاص التي أتى لغتمامها في العالم.

اكتفي بسرد هذه النبوءات، والآيات كدليل صارخ، على زيف الإدعاء بتحريف سفر أشعياء أو تسييسه، لكن لمن يرغب في التوسع، فالمراجع التاريخية واللاهوتية كثيرة جدًا. ومع ذلك، يظل البعض عاجزًا عن رؤية الحقيقة قبل أن يلتقط ميكروفونه ليطلق سمومه على الشاشات، مختزلاً التاريخ والكتاب المقدس إلى أداة تحريضية فارغة من السياق.

لا لاختزال العقيدة
وأخيرًا القضية ليس في نص أو نبوءة، بل في ضميرٍ يختار كيف يقرأ، وكيف يُحمل الكلمة ما لا تحتمل. وكيف يتم رفع السياسة على المنابر الدينية، وتتحول الشاشات إلى محاكم عقائدية، يتم فيها استعداء البعض على اتباع معتقد بعينه، والمسيحية، في جوهرها، لا تحتاج إلى تبرئة ولا دفاع؛ لأنها لم تكن يومًا مشروع سلطة ولا أداة اصطفاف، بل رسالة خلاص، وكلمة حياة، ونداء عدل يتجاوز الأزمنة.

إن العبث بالنصوص المقدسة، واقتطاعها من سياقها، لا يصنع معرفة ولا يخدم قضية، بل يفتح أبواب الفتنة ويشوه الوعي العام. وحين تُستدعى النبوءة لتبرير التحريض، يصبح الصمت تواطؤًا، والرد واجبًا أخلاقيًا، لا دفاعًا عن عقيدة فحسب، بل حمايةً لوطن لا يحتمل مزيدًا من الشقاق، ولا يعيش إلا بالحقيقة كاملة غير مجتزأة.
نقلا عن وطني