بقلم الدكتورة ابتهال عبد الوهاب
بالأمس القريب كنا نحتفي بمئويته بوصفها قرنا من المقاومة الفكرية، واليوم نودعه بوصفه واحدا من آخر الحراس الكبار للعقل في زمن تآكلت فيه شجاعة التفكير. كأن القدر شاء أن يختم حياته كما عاشها: سؤالا مفتوحا، وقلقا نبيلا، واحتجاجا هادئا على عالم يضيق بالفلسفة ويتوجس من الحرية.
رحل الذي أعاد لابن رشد صوته في زمن الصمت، واستعاد الرشدية لا بوصفها ذكرى تراثية، بل بوصفها موقفا وجوديا: أن نفكر، وأن نؤول، وأن نختلف، وأن نرفض احتكار الحقيقة
دفع مراد وهبة ثمن هذا الإيمان عزلة وتهميشا ومنعا، لكنه لم يساوم، ولم يطلب السلامة، ولم يخفف من حدة السؤال.
كان يعرف أن التنوير طريق شائك، وأن من يختاره لا يسير في الظل، بل في مهب الريح. ومع ذلك ظل واقفا، لأن الوقوف في نظره كان واجبا أخلاقيا، ولأن الصمت في حضرة الظلام خيانة للعقل.
العزاء الوحيد أن مراد وهبة لم يرحل فارغا؛ لقد ترك لنا ما لا يدفن: ترك منهجا في التفكير، ووصية غير مكتوبة تقول إن الفلسفة ليست ترفا، وإن الحرية ليست شعارا، وإن السؤال هو الشكل الأرقى للإيمان بالإنسان.
سلام على مراد وهبة، الذي عاش عمره كله واقفا في صف العقل، ومات كما يليق بالفلاسفة الكبار: تاركا وراءه أسئلة أكبر من الموت، وأفكارا أقدر على البقاء من الأجساد.
سلام على من علمنا أن نفكر بلا خوف، وأن نشك بلا عداء، وأن نبحث عن الحقيقة لا لنمتلكها، بل لنظل جديرين بها.
وداعا، أيها الفيلسوف العظيم ، لن ننسى ضوءك في لحظات العتمة، ولن نتوقف عن التساؤل كما علمتنا





