القمص منقريوس المحرقي

يحتفل الأقباط الأرثوذكس في مصر والعالم، في السابع من يناير من كل عام، بعيد ميلاد السيد المسيح، الموافق 29 كيهك في التقويم القبطي، وهو أحد أقدس الأعياد المسيحية، لما يحمله من معانٍ روحية وإنسانية عميقة تتجاوز حدود الطقوس إلى جوهر الإيمان والحياة.
 
ويمثل عيد الميلاد ذكرى تجسد الله الكلمة، كما يعلن الإنجيل:«والكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا» (يوحنا 1: 14)،وهو الحدث الذي غيّر مسار التاريخ، إذ اقترب الله من الإنسان، وشارك البشر واقعهم، ليمنحهم الخلاص والرجاء.
 
ميلاد في بساطة واتضاع
جاء ميلاد السيد المسيح في صورة بعيدة عن مظاهر العظمة الأرضية؛ فقد وُلد في مزود متواضع بمدينة بيت لحم، في رسالة واضحة تؤكد أن القيم الحقيقية لا تُقاس بالمظاهر أو القوة، بل بالاتضاع والمحبة.ويقول إنجيل لوقا:«فولدَت ابنها البِكر وقمّطته وأضجعته في مذود» (لوقا 2: 7).هذا المشهد يضع الإنسان أمام سؤال جوهري: كيف يستقبل الله في حياته؟ وهل يفسح له موضعًا في قلبه وسط زحام الانشغالات؟
 
رسالة سلام ومحبة
في ليلة الميلاد، صدحت السماء بترنيمة خالدة:«المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة» (لوقا 2: 14).وهو سلام لا يرتبط بالظروف الخارجية، بل ينبع من الداخل، من المصالحة مع الله، ومن القدرة على قبول الآخر ومحبته.وفي عالم يعاني من الصراعات والاضطرابات، يأتي عيد الميلاد كتذكير سنوي بأن السلام يبدأ من القلب، وأن المحبة هي الطريق الحقيقي لعبور الأزمات.
 
طقوس وصوم واستعداد روحي
يسبق عيد الميلاد صوم يمتد 43 يومًا، يُعرف بصوم الميلاد، وهو فترة روحية تهدف إلى الاستعداد الداخلي للعيد بالصلاة والتوبة وأعمال الرحمة. ويُختتم العيد بقداس منتصف الليل، الذي يشهد حضورًا واسعًا من المؤمنين، في أجواء مليئة بالترانيم والألحان والفرح الروحي.ولا يقتصر الاحتفال على الطقوس الكنسية فقط، بل يمتد إلى البيوت، حيث تتجمع العائلات، وتُجسَّد قيم المحبة والعطاء والمشاركة.
 
عيد لكل إنسان
ورغم أن عيد الميلاد مناسبة مسيحية، إلا أن رسالته إنسانية شاملة، تؤكد أن الله محبة، وأن الإنسان مدعو لأن يحيا بالمحبة والتواضع والسلام.كما يقول إشعياء النبي:«لأنه وُلد لنا ولد، وأُعطي لنا ابن… ويُدعى اسمه رئيس السلام» (إشعياء 9: 6).في السابع من يناير، لا يحتفل الأقباط بذكرى تاريخية فحسب، بل يجددون إيمانهم بأن النور قادر أن يغلب الظلمة، وأن الرجاء يولد حتى في أبسط الأماكن.
 
ميلاد مجيد، وسلام يعم القلوب والعالم كله