شارل فؤاد المصري يكتب: مادورو ..الوجه الآخر للديكتاتور
اذا كنت من هواة النضال كراهية في الاميركان لا تقرأ هذا المقال ..واذا كنت تبحث عن الحقيقة اقرأ بعناية .
المهم ألا تقرأ علي طريقة العظيم فؤاد المهندس في فيلم فيفا زالاطا..
والي المقال
بين أضواء "هوليوود" الصاخبة وظلال الانفجارات التي هزت كاراكاس في مطلع العام الجديد قبل يومين تُكتب فصول النهاية لواحدة من أكثر القصص السياسية غرابة في العصر الحديث.
هي قصة "سائق الأوتوبيس" الذي اعتلى عرش أغنى بلاد النفط لينتهي به المطاف "مختطفاً" في عملية درامية أعلن عنها دونالد ترامب اشهر كاوبوي سياسي في العصر الحديث واضعا حدا لرقصة مادورو الأخيرة.
تلك الدراما الواقعية التي تتجاوز خيال مؤلفي الأفلام وانتهت رحلة نيكولاس مادورو الرجل الذي حكم فنزويلا بالصدفة والوراثة لتبدأ مرحلة المحاكمة في واشنطن. قصة تبدو كأنها "سيناريو" جاهز لفيلم هوليوودي بطلها سائق حافلة بسيط سلمه هوجو تشافيز مفاتيح بلاد تسبح فوق 300 مليار برميل من النفط فحولها في عقد من الزمن إلى ساحة للجوع والفقر والشتات.
لم يكن مادورو يوما جنرالا عسكريا أو خبيرا اقتصاديا أو سياسي محنك بل كان "سائق أوتوبيس" يفتخر بتعليمه المتواضع كدليل على انتمائه للطبقة الكادحة. نشأ في بيوت الصفيح علي هامش العاصمة وتسلل إلى قلب السلطة عبر بوابة النقابات العمالية.
بدأت علاقته بتشافيز حين كان الأخير في السجن حيث عمل مادورو "ساعي بريد" سريا ينقل رسائل الزعيم إلى رفاقه في الخارج.
هذا الوفاء كافأه به تشافيز قبل رحيله عام 2013 حين أشار إليه كخليفة له.
فاز مادورو بانتخابات مشكوك في نزاهتها وبفارق ضئيل جدا نصف في المائة (0.5\%) ليرث بلدا يملك أكبر احتياطي نفطي في العالم، ويكفي شعبه للعيش في رفاهية لمائة عام مقبلة .
بينما كان 90% من الشعب الفنزويلي يرزح تحت خط الفقر ويهاجر الملايين بحثا عن لقمة العيش كان مادورو يقدم لـ "هوليوود" مشاهد مستفزة ستخلد في ذاكرة السينما كرمز للانفصال عن الواقع في عز أزمة الجوع ظهر مادورو وهو يتناول "ستيك اللحم المغطى بالذهب" في مطعم الشيف "نصرت" بينما كان شعبه يقتات من القمامة.
الأكثر سخرية هو مشهد كاريكاتوري حينما شكل "جيشا شعبيا" من المتطوعين وصفوا بالبدناء لمواجهة التهديدات الأمريكية في بروباجاندا عكسية أثارت سخرية ترامب بدلا من خوفه.
كان مادورو يبالغ في الرقص الشعبي في كل ظهور عام حتى وهو يتلقى التهديدات المباشرة وكأنه يرقص رقصة الذبيحة قبل السقوط بسكين الجزار.
لم تكن عملية اعتقاله هي المحاولة الأولى فالتاريخ سيكشف أن ترامب حاول سابقا إغراء طيار مادورو الخاص بـ 50 مليون دولار وهي المكافأة التي وضعت على رأسه لخطفه في الجو وهبوطه في قاعدة أمريكية لكن الخطة تسربت حينها.
وعندما اشتد الخناق استنجد مادورو بروسيا وإيران والصين لترميم دفاعاته الجوية المتهالكة لكن الرد جاء باردا .. "الكل مشغول بحروبه الخاصة". الصين الحذرة وروسيا الغارقة في أوكرانيا تركتا مادورو وحيدا أمام "الضربة الخاطفة" التي أنهت قصته في قصر "ميرافلوريس".
تضع واشنطن مادورو اليوم تحت طائلة القانون بتهمة زعامة "كارتيل الشمس". التهمة هي تحويل فنزويلا إلى ممر دولي لأطنان المخدرات الموجهة للسوق الأمريكية وهي التهمة التي استخدمها ترامب لتبرير "الاختطاف القانوني" وتفكيك النظام الاشتراكي الذي أفلست خزائنه رغم ثرواته النفطية الهائلة.
رحل مادورو وبقي النفط الفنزويلي الآن في قبضة ترامب ضمن حربه الاقتصادية الكبرى.
نهاية مادورو هي نهاية"سائق الباص" الذي لم يدرك أن قيادة دولة ليست كقيادة حافلة وأن الطغاة مهما رقصوا هم من يفتحون الأبواب للغزاة في نهاية المطاف.
كاتب وصحفي وباحث في العلوم السياسية





