عادل نعمان
ولسنا مع فصل الدين عن المجتمع، فهو أصل أصيل فى تكوينه وبنائه، وهو هداية للإنسان، وتهذيب للسلوك وتزكية للنفوس، والأهم فهو رادع داخلى وفاصل طبيعى بين الإنسان ونزواته إذا ما غاب القانون والنظام فى كثير، وهو منظومة أمن وطمأنينه إذا ما كانت المعادلة طرفها الرئيسى هو الله الخالق البارئ، وهو تلبية للفطرة الإنسانية التى لا حياة للإنسان بدونها، فيأمن الإنسان فى الدنيا، ويثق فى عدل الآخرة، ويهدأ ويقر وجدانه إلى الإنصاف والقسط إن لم يكن فى الدنيا فيوم الحساب وهو قريب، فترتاح النفوس وتستقر، هذا عن الدين أما عن الدنيا فلها حسابات أخرى فلا تستقيم الأمور إلا بالرادع الخارجى تحت سلطة القانون، ولا تصحيح أو تعديل فى مسيرة الاقتصاد والتجارة والزراعة والصناعة والسياسة والبناء والجرائم المتنوعة والقانون الدولى والاتفاقيات والمعاهدات والمصالح وغيرها إلا بالعلم والعلماء والبحث ودراسة الأسباب، مما يستدعى إبعاد رجال الدين عن هذا المجال.

ونستكمل نصائحنا لتجديد الخطاب الدينى، والذى خرج بسوء النوايا السياسية إلى ميادين حقق فيها السياسيون ومشايخ السلطة أطماعهم ومآربهم، فمال ميلًا شديدًا عن المنهج الإلهى القويم، وكنا قد بدأنا بنصيحة «ضبط المصطلحات الدينية» واليوم نستكمل.

الثانية: وضع قواعد للناسخ والمنسوخ، فليس هناك قاعدة ثابتة للناسخ والمنسوخ، بل هى نظرية بشرية قد بدأت على استحياء حتى جارت وتجرأت على نصوص وأحكام وآيات محكمات فى القرآن قطعية الدلالة والثبوت، ومالت ميلًا شديدًا عن مسلك الرسالة، فليس من المعقول أن آيات الموادعة والصفح والفضيلة والسلام وحرية الاعتقاد والتى تتجاوز عشرين آية وكلها عماد الدين وأحد أهم أركانه الثابتة الراسخة، ولا يصلح الدين إلا بها، تنسخها آية واحدة وهى آية السيف «فإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ» وتصبح كل آيات الصفح والموادعة والتسامح والتى هى أساس الإيمان، وركن أصيل من أركان الدعوة إلى الدين والتى تعتمد عليه، ومبعث الاطمئنان ومصدر الثقة، قد بُدِّلت ونُسخت وأُلغيت وحل محلها آيات القتال والإثخان فى القتل، والبون شاسع وواسع بين آيات تدعو إلى حرية الاعتقاد والسلم وآيات تدعو إلى قتال الكفار والمشركين أينما وُجدوا وحلّوا، وتعقبهم فى البلاد، وتفرض الحرب فرضًا على المسلمين اليوم وغدًا كما فُرضت بالأمس دون قيد أو شرط أو سبب أو حجة أو ذريعة إلا أن تظل الحرب قائمة أينما وُجد الكفر والكافرون، فهل من المعقول أن ندعو الناس للإسلام بآيات الموادعة والصفح والحكمة والموعظة الحسنة فإذا ما استجابوا ودخلوا فى دين الله، نفاجئهم ونباغتهم بهذه الضربة القاضية، والمفاجأة الغريبة بنسخ هذه الآيات بآية السيف، وأصبحت كلها منسوخة الحكم ولا عمل لها سوى تلاوتها عند الصلاة فقط، وأن الأصل فى الحكم هو محاربة وقتال الكفر والكافرين !! فإذا ما ارتد صاحبنا وعاد من حيث أتى قتلوه!

والأمر هنا يحتاج إلى ضبط وقواعد محددة، وأهمها أنه لا يجوز النسخ خارج القاعدة الإلهية المحددة وهى (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) فلا نسخ «إلغاء» لما هو حسن وطيب، ولا نسخ إلا ما كان فيه مشقة على خلق الله.

ولنا الحق أن نتجول بحرية فى العلاقة بين الناسخ والمنسوخ وهل هو برهان على علاقة النص بالزمان والمكان الذى نزل فيه، ودليل على حتمية العلاقة بينهما، وارتباطه بالواقع الذى يحياه الناس، وأن إلغاء النص بنص آخر، سواء رُفع النص المنسوخ من التلاوة أو ظل موجودًا يُتلى مع إبطال حكمه، معناه ببساطة أن نصًّا نزل لواقعة معينة بذاتها فى وقت النبوة وعلى حياة النبى، ثم نُسخ وأُلغى لتغير ما فى الواقعة ذاتها وظروفها ومعطياتها، وأيضًا فى وقت النبوة وعلى حياة النبى أيضًا؟

الناسخ والمنسوخ هنا يبدو أنه تعامل وتفاعل مع الواقع فى الزمان والمكان والأحداث، إلا أن الأهم فى الأمر كله هل هذا النسخ فى حياة الناس قد توقف بموت النبى؟ أم أنه طبيعة حياة متجددة ومتغيرة تقبل يومًا وترفض آخر؟، وكذلك الأحكام تصلح فى زمن ولا تصلح فى آخر، ويستجيب لها الناس فى مكان ويرفضونها فى مكان آخر؟ وهذا هو جوهر القضية ومكمن الخلاف بين زمنية الحكم وأبديته.

لنا الحق فى السؤال ولهم حق الرد، وللعقل حرية الفصل والقرار.

(هل الدولة المدنية الحل)؟
نقلا عن المصري اليوم