جرجس منير حنا
باحث في العلاقات الكنسية والمسكونية
في خضمّ التحولات الإدارية والتشريعية التي تشهدها الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة، يبرز بوضوح سعي جاد نحو التقنين وإعادة الهيكلة وترتيب ما يمكن وصفه بـ«البيت الداخلي» للدولة.
وهو مسار ضروري لا خلاف على أهميته، متى تأسس على البحث والدراسة المتأنية، والمعرفة الدقيقة بتكوين المجتمع المصري، بتنوّعه الديني والطائفي، وأقلياته المتجذّرة في نسيجه التاريخي والإنساني، لا بوصفها أرقامًا في سجلات، بل باعتبارها مكوّنًا أصيلًا من هوية هذا الوطن وذاكرته الحيّة.
في هذا الإطار، جاء إعلان الحكومة المصرية عن تحديد الأعياد الخاصة بالطوائف المسيحية المختلفة، وهي طوائف لم تكن يومًا طارئة أو دخيلة، بل متجذّرة في عمق الأمة المصرية، عاشت قرونًا طويلة في حالة من التآخي والسلام مع إخوتها المسلمين. فالمجتمع المصري، في واقعه اليومي، لم يعرف الأعياد باعتبارها مناسبات دينية مغلقة، بل جسورًا للمحبة واللقاء الإنساني.
كثير من مسيحيي مصر، أقباطًا كانوا أو من طوائف أخرى، ينظرون إلى شهر رمضان بوصفه شهر الصوم والعبادة والصفاء الروحي، لما يحمله من أجواء تعبّر عن جمال المجتمع المصري وترابطه الذي شهد له التاريخ مرارًا.
وفي المقابل، لا يخلو المشهد المصري من مسلمين يحبّون صوم السيدة العذراء مريم، ويقصدون الأديرة التي تحمل اسمها الطاهر، يتبركون بها عن محبة صادقة، لا عن مجاملة اجتماعية أو طقس عابر.
من هنا يتضح أن مفهوم الأعياد، في جوهره العميق، ينصب أولًا وأخيرًا على معاني المحبة والاحترام المتبادل داخل كل دين ومذهب، ثم يمتد ليصبح مساحة مشتركة بين أبناء الوطن الواحد. غير أن الإشكالية لم تكن في مبدأ التقنين ذاته، بل في الكيفية التي جرى بها تقنين أعياد الطوائف المسيحية.
إذ بدا واضحًا أن هذا التقسيم لم يقم على دراسة جادة لتقاليد هذه الطوائف في مصر، سواء الأرثوذكسية أو الكاثوليكية أو البروتستانتية، فضلًا عن الكنائس الرومية والسريانية والأرمنية بطوائفها المختلفة، إضافة إلى الأنجليكان.
ومع ذلك، يمكن النظر إلى هذا القصور بوصفه سوء تقدير أكثر منه سوء نية، لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار أن فترات طويلة من تاريخ الدولة الحديثة لم تشهد اهتمامًا كافيًا بالتفاصيل الخاصة بالمسيحيين المصريين، سواء الأقباط أو غيرهم من الملل والمذاهب المسيحية الآخري التي تعد أيضًا جزء من نسيج الأمة المصرية.
غير أن العودة إلى التاريخ تفتح أفقًا أكثر وضوحًا ودقة. ففي عهد الملكية، وُجدت إحصاءات رسمية دقيقة تحدد الوجود العددي للطوائف المختلفة في مصر، وتُميّز بوضوح بين الأرثوذكس والكاثوليك والبروتستانت.
ويكفي الرجوع إلى تعداد سكان القطر المصري لعام 1907، الصادر عن نظارة المالية، لنجد أرقامًا تتحدث بلا مواربة، وتؤكد أن الدولة المصرية آنذاك كانت على دراية كاملة بتنوّعها الديني والطائفي، ومدركة لخصوصياته وتركيبته الدقيقة.
من هذا المنطلق، يبرز الاعتراض على القرار الصادر عن وزير العمل رقم (346) لسنة 2025.
فجوهر الاعتراض لا يتعلّق بفكرة التقنين في حد ذاتها، بل بغياب التشاور مع الجهات المختصة داخل هذه الكنائس، لمعرفة ما تمثّله الأعياد الكبرى في وجدانها الليتورجي والروحي.
فالحقيقة التي يعرفها كل دارس للشأن الكنسي في مصر أن جميع المسيحيين، على اختلاف مللهم وطوائفهم، يشتركون في الاحتفال بأعياد الميلاد والغطاس وخميس العهد والقيامة ورأس السنة الميلادية، ويُضاف إلى ذلك عيد رأس السنة القبطية، الذي لا يقتصر في رمزيته على الأقباط وحدهم، بل يحمل دلالة حضارية عميقة بوصفه رأس السنة المصرية القديمة، بما تمثّله من امتداد تاريخي يشمل كل المصريين دون استثناء.
ومن زاوية أخرى، يبدو أن هذا التقنين لم يأتِ في هذا التوقيت بدافع تنظيم الأعياد فحسب، بل في سياق أوسع يرتبط بالتحضير لصدور قانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين، وهي التسمية القانونية المتداولة في لوائح الدولة المصرية منذ عقود طويلة.
فقد سبق هذا المسار حوار مجتمعي أجرته وزارة العدل ومجلس النواب مع مختلف الطوائف والملل المسيحية في مصر، للوقوف على مواقفها من مواد القانون المطروحة للنقاش.
وفي هذا السياق، يمكن فهم صدور قرار وزارة العمل باعتباره جزءًا من هذا الإطار الأشمل، وهو أمر يُحسب للدولة، ويُشكر لها، إذ يعكس رغبة في التنظيم والتقنين والاستماع، وإن كان يحتاج إلى مزيد من الدقة والتعمّق.
إن التعامل مع هذا الملف الحساس يتطلّب قدرًا أعلى من الإنصات والوعي، لا سيما في دولة بحجم وتعقيد مصر. فالتقنين الناجح لا يقوم على حسن النية وحده، بل على المعرفة، والحوار الجاد مع أصحاب الشأن، وإدراك أن التنوع الديني في مصر لم يكن يومًا عبئًا على الدولة، بل كان أحد مصادر ثرائها الحضاري وقوتها الناعمة.
وعندما تُصاغ القرارات العامة بروح البحث والدراسة، وباحترام الخصوصيات التاريخية والروحية، فإنها لا تعزّز العدالة الإدارية فحسب، بل تكرّس أيضًا قيم المواطنة الحقيقية.
و يبقى الأمل أن تكون هذه التجربة مدخلًا لمراجعة أعمق، لا للتراجع عن فكرة التقنين، بل لتصويبها ووضعها في إطار أكثر علمية وشمولًا.
فمصر، التي عرفت عبر تاريخها الطويل كيف تحتضن التعدد وتحيله إلى وحدة، قادرة اليوم أيضًا على أن تقدّم نموذجًا رشيدًا في إدارة التنوع الديني، نموذجًا يقوم على الفهم لا الافتراض، وعلى المشاركة لا الانفراد، وعلى احترام الذاكرة التاريخية التي صاغت هذا الوطن، وجعلت من أعياده، على اختلافها، مناسبات للمحبة قبل أن تكون مجرد تواريخ في جداول رسمية.





