بقلم الأب يسطس الأورشليمى
القديس باسيلـيوس الكبــير
ولد هذا القديس في قيصرية الكبادوك عام 329م ونشأ من صغره على محبة الفضيلة، وسار في طريق الجهاد وبعدما تلقى من أبيه مبادئ الفلسفة ذهب إلى قيصرية الاراضى المقدسة ليدرس بمعهد الخطابة لمدة 5 سنين تتلمذ على تعاليم أوريجانوس حيث اعجب بها، وهناك أكتسب شهرة عظيمة ومحبة جزيلة بواسطة فطنته وتصرفه الملائكي ثم أنتقل إلى القسطنطينية، حيث كانت قاعدة الفلسفة وتتلمذ على يد فلاسفتها.
ثم ذهب بعد ذلك إلى أثينا وفى فكره الإقامة فيها لما شاهده من تصرف شبانها الردئ، لكن أرغمه على الإقامة صديقه الحميم غريغوريوس النيزنزي، وعملا معاً على إكتساب العلوم وتحصيل المعرفة وإكتساب الخصل الحميدة ومطالعة الكتب المقدسة.
ولما رجع باسليوس إلى وطنه أجبر على تدريس علم الفلسفة في وطنه كبادوكية فبذلت أخته القديسة ماكرينا كل ما في وسعها لتقنعه أن يعدل عن ذلك لأنها كانت تريد تحويله من دراسة العلوم وتدريسها إلى الاهتمام بخلاص نفسه لأنها كانت تعلم أن العلم ينفخ، وأخيراً رضخ لمشورتها وأنتبه لخلاص نفسه، وترك وطنه وجال بين رهبان مصر والاراضى المقدسة فى سنتى 357 و358 يرتشف منهم ويتعلم أدابهم، ولما رجع إلى بلده أنفرد في أحد الجبال للعبادة وباشر أعماله التقوية وفي سنة 362 ترك باسليوس وحدته حيث أرغم على قبول درجة الكهنوت من أوسابيوس أسقف الأبرشية الذي كان وقت ذلك في حاجة إليه لصد هجمات الحزب الأريوسي على شعبه، ولما توفى أوسابيوس أختار الشعب باسليوس أسقف عليهم.
أنه لما رأى فالنس الاريوسى شارك أساقفة الرأى القويم، عزم على أن يجذب لرأيه من كان أكثر تمسكا من الارثوذكس، عالما أنه إذا خدع هذا القديس يستطع أن يخدع غيره، فأرسل رئيس جيشه متملقاً إياه، فلما ذهب إلى قيصرية وأستدعى القديس باسيليوس أمامه وأخذ يلح عليه مرة ويتملقه أخرى، ولكن لما رأى منه عدم الإزعان قال له بصوت الغضب " أتقاوم ملكاً عظيما يخر العالم ويخضع لأمره ألا تخشى مفاعيل غضبه أليس هو مسلطاً على مالك فيعريك منه وينفيك وينزع منك الحياة نفسها ", فقال القديس: " أن هذا الوعيد لا تأثير له فىَّ لأن من لايملك شيئا لايمكنه أن يفقد شيئا، فأنا قد مت من هذه الدنيا منذ زمن مديد ولا تقدر العذابات أن تزعزعنى لأن جسدى على حالة من النحول والضعف فلا يتعذب زماناً طويلاً بل أن الضربة الأولى تعدمنى الحياة وتنهى عذاباتى ".
فلما سمع القائد هذا الخطاب الصادر من القلب أنذهل وقال أنه لم يخاطبنى إنسان قط بمثل هذه الجسارة، فقال له القديس باسيليوس: " لأنه لم يتوقع لك أن تتكلم مع أسقف فى قضية كهذه وهو يحامى عنها "، فرجع القائد إلى مولاه وأخبره بجميع ما جرى فخاف الملك، وحدث بعد ذلك أن الملك ذهب إلى قيصرية ودخل الكنيسة محفوفاً بقواده وحفظة رأسه يوم عيد الغطاس شاهد إحتشام الشعب ومهابة باسيليوس واقفاً فى الهيكل وعقله مرتفع متحد مع اللـه، تأثر الملك من هذا المشهد مرتعداً كمن أنخطف عقله، ولما بلغ الوقت الذى جرت فيه العادة أن يتقدم الملك نحو الهيكل ليقدم هدية للكنيسة ولا أحد من الكهنة ارتضى أن يقبل منه، ولكن رغم هذا الحادث نجد فالنز ( فالنس ) ينخدع للحزب الأريوسي ويقرر أن ينفي القديس باسليوس، ولكن في الليلة التي قرر فيها ذلك مرض ابنه وأوشك على الموت، فلم يجد بداً من أن يدعو القديس باسليوس الذي لما صلى على الولد عادت إليه صحته في الحال، ولكن حينما سمح للحزب الأريوسي أن يعمده مات الطفل في الحال فقسا قلب الملك وصلب رقبته وعزم على نفي القديس، ولما أخذ قلم ليوقع على الحكم أنكسر القلم فبراه فأنكسر، وتكرر الأمر لثالث مرة وللحال أخذته رعدة وأرتعب واخذ الصك بيده ومزقه، وهكذا أستمر القديس بين رعيته يناضل حتى تنيح في شهر يناير عام 379.
ومن مؤلفات هذا القديس الأكسمارس وهو كتاب يشرح فيه ستة أيام الخليقة وكتاب الليتورجيا وقوانين صارمة تختص بالرهبان.
غريغوريوس أسقف نصيص :
يعتبر هذا القديس أخو القديس باسليوس الكبير بالجسد الذي ذُكرت قصته سابقاً، وقد كان هذا القديس في بدايته يعيش عيشة اللهو والعبث مخالفاً الأداب المسيحية، وأقترن بالزواج من ابنة فاضلة ولكنه لم يسير في الحياة المسيحية كما ينبغي وأنكب على دراسة أشعار اليونان وشرع يعلمها للشباب مما دعا أغريغوريوس الأسقف اللاهوتي أن يحرر له رسالة مستعملاً فيها التهديد تارة والوعيد تارة أخرى وإستعمال كل مايلزم لإنتشاله من الهوة التي سقط فيها فأثرت فيه رسائله، وشرع في الحال في إقتناء الكتب المقدسة التي قادته للخلاص لدرجة أنه ندم على فقده أكليل البتولية قائلاً: " لقد خسرت كنزاً لم أعرف قيمته إلا متأخراً "، ومن ثم أنفرد تاركاً العالم في أرض فلاحة كانت لأخته وأخذ يتعبد للـه بقلب حار حتى صار من شدة ورعه ملاكاً في جسم بشري، وأتفق أن كرسي نيصص فرغ من راعيه، فأختير دون رغبته أن يكون أسقفاً لها فكرس ودبر هذه الأبرشية أحسن تدبير، ولكن لما قام الملك الأريوسي فالنس نفاه فظل في المنفى حتى قام الملك جراتيانوس، فأرجع القديس إلى كرسيه، ولما أنعقد مجمع في أنطاكية حضر فيه وتعيين في مهمة إلى كنائس العرب والاراضى المقدسة وكان ذلك حوالي عام 375 م، ويتضح ذلك من رسائله الثلاثة حيث قال: " أن المسيحي الذي يزور الأراضي المقدسة هو لاهوتي مسيحي"، ويذكر في رسالته الثالثة أنه قابل في أورشليم أُناساً صالحين إذ يقول: "هذه علامة من محب البشر الذي وهب هذه العلامة على الأرض - أورشليم الأرضية -"، وقابل في بيت لحم حسبما يقول أنفس لمست حنو الرب وكذا في الجلجثة وجبل الزيتون أورشليم.
وبعد ذلك ذهب إلى القسطنطنية وعلى أثر وصوله شرع ثيؤدوسيوس يدعو الأساقفة للمجمع المسكوني المنعقد فيها، وقام في هذا المجمع بدور هام أوضح فيه فضائل ملاتيوس بطرك أنطاكية الذي كان، قد رقد في الرب قبل أن ينعقد هذا المجمع ثم رجع إلى أبرشيته وتوفي في ختام القرن الرابع.





