بقلم الأب يسطس الأورشليمى
يقول عنه المؤرخ جناديوس أنه مواطن اسقيطي ولكن الواقع أن مكان ولادته غير معروف على وجه التأكيد فلعل السبب إذن في نسبته إلى الإسقيط صلته القوية بإسقيط مصر كما سنرى في سيرته، أنضم في شبابه المبكر إلى دير في بيت لحم ولكنه لم يلبث أن تركه سنة 385م ليمضي إلى مصر حيث تتلمذ
تلمذة نسكية حقيقية لأباء مصر العظام وحينما غادر كاسيان مصر مع رفيقه جرمانوس كان ذلك حوالي سنة 400م وتوجها إلى القسطنطينية حيث رسمه القديس يوحنا ذهبي الفم شماسا ورسم صديقه جرمانوس كاهناً، وفي ذلك الوقت حدثت كل الأحداث المحزنة الخاصة بإضطهاد ذهبي الفم وطرده ونفيه، فأختير كاسيان مع صديقه ليحمل رسالة من اكليروس القسطنطينية إلى بابا روما اينوسنت الأول تصف هذه الأحداث، وفي روما رسم كاسيان كاهناً ثم توجه إلى غال أي فرنسا وطنه على وجه الترجيح، وهناك أسس بالقرب من مرسيليا الديرين العظيمين دير القديس بقطر (سان فيكتور) ودير الليران المشهور،
ونقل كاسيان كل التراث القبطي من تعاليم وصلوات وتسابيح إلى الغرب ثم سلمها إلى القديس بندكتوس من بعده الذي جعلها أساس نظام الرهبنة في ديره، وقد وضع كتابين ضمنهما كل خبرته الروحية ونتائج تلمذته النسكية لأباء مصر وهما المؤسسات والمحادثات ففي كتاب المؤسسات أشار إلى القوانين
الرهبانية وناقش وسائل التغلب على ثمانية معوقات رئيسية تواجه الراهب في سعيه نحو الكمال ويعتبر هذا الكتاب أساسا لكثير من القوانيين الرهبانية في الغرب، أما كتابه المحادثات الذي يسرد فيه أحاديثه مع كبار أباء الرهبنة المصرية فقد جعله القديس بندكت فيما بعد كتاب القراءة اليومية لكافة الرهبان
الخاضعين لنظامه، وقد ظل كاسيان يقود الحياة الرهبانية في فرنسا حتى آخر أيام حياته وقد ناله في أواخر أيامه متاعب جمة إذ أعتبرت تعاليمه بخصوص مسؤلية الإنسان في جهاده إنحرافا، وقد كتب أيضا سنة 430م بحثا في سبعة مجلدات عن التجسد الإلهي وذلك إستجابة لطلب البابا ليون ليبصر الغرب بتعاليم النساطرة وكاسيان محسوب في كنيسة الغرب مطوباً، ولكنه محسوب قديساً في الشرق ومازال أهالي مرسيليا يحتفلون بعيده في الثالث والعشرين من يوليو( ) .
الراهبة أبو للـيناريا :
الابنة الكبرى لأنثيموس الوصي على إمبراطورية الشرق أيام ثيؤدوسيوس، ونشأت على حب الفضيلة والعبادة المسيحية، ولما بلغت سن الزواج أصرت على أن تكرس حياتها للرب كل وقتها وأشتاقت هذه القديسة إلى زيارة أورشليم لتتبارك من الأماكن المقدسة فاستأذنت من والديها فوافق وأرسلا معها حرساً
إمبراطوريا مع عدد من الوصيفات إلى أورشليم، وأما هي فقد كانت فرحة مبتهجة القلب في فرح دائم وصلوات وعبادة بقلب مملوء من الحب الإلهي ولذا أصرت على أن تسلك في الأراضي المقدسة بما يليق بحاملي الصليب ثم ذهبت إلى الإسكندرية وزارت دير مارمينا وذهبت إلى الإسقيط لزيارة الأباء المتوحدين وترهبنت هناك على يد القديس مكاريوس وإذ قد لبست ملابس الرجال دعيت باسم الراهب دورثيؤس وقد أخفى عنه اللـه أنها فتاة.
وبعد عدة سنوات تعرضت أخت أبو لليناريا لمرض شديد حار فيه الأطباء ولم تستجب للعلاج ، فتكلم أحد المقربين للملك أن يرسلها لأباء الأسقيط بمصر لكي يصلوا لأجلها فتشفى ووافق الملك وأرسلها مع وفد إلى البرية، وقد دبرت عناية السماء أن يذهب الوفد إلى القديس مكاريوس الذي أرسلها إلى العابد الناسك (دورثيؤس) دون أن يعلم أنها اختها.
عرفت أبو ليناريا أختها، ولكن أختها المريضة لم تعرفها ولم تستطع أبو ليناريا أن تضبط نفسها فبكت بكاءً شديداً فأدخلتها قلايتها وصلت عليها فخرج الروح النجس، فأخذت تقبلها وتعانقها فخرجت أختها المريضة وهي لا تعرفها وذهبت راجعة إلى القسطنطنية.
ووصلت الابنة والوفد المرافق بعد أن نالت نعمة الشفاء، حيث فرح أبيها بها جدا وقصت عليه كل ما حدث, فأندهش أبيها لهذا الراهب الذي نالت الشفاء لصلواته وإزداد إندهاشه كيف وهو راهب يقبل فتاة , فأمر بأحضار هذا الراهب وأرسل إليه بعض من رجاله، وبناء على أمر الطاعة من القديس
مكاريوس ذهب معهم، ولما وصل الوفد ومعهم الراهب دورثيوس إستقبله بكل إحترام ولما أستفسر عما صدر منه من تصرفات تجاه ابنته، ففكرت القديسة أن تكتم الأمر،
ولكنها خشيت أن يلحق بالرهبان سمعة سيئة وكذلك لأختها, فقالت للملك عاهدني أن تتركني أعود من حيث أتيت، وأقول لك السبب فوافق الملك .....، وهنا نزعت الراهب دورثيوس القلنسوة والشال من على رأسه وقالت له أنا ابنتك أبو ليناريا فلما قالت ذلك وقع أبو ها الملك عليها وأخذ يقبلها، وكذلك أمها الملكة وأختها وحدث صياح وأفراح كثيرة في القصر وألح عليها أن تبقى معهم فمكثت عندهم فترة قصيرة ثم ذكرت والدها بالعهد الذي قطعه معه بأن يتركها تذهب إلى مغارتها فشيعها بإكرام جزيل.
ذهبت القديسة إلى بريتها وبعد عدة سنوات إستدعت القديس مكاريوس وعرفته بقرب نياحتها وأوصته بأن يدفنها بملابسها، ثم رقدت في الرب بعد جهاد وأتعاب روحية في سبيل محبتها للرب يسوع.





