بقلم : هاني صبري - المحامي 
إنّ البيان الصادر عن المذيعة هند الضاوي، والذي قُدِّم باعتباره توضيحًا واعتذارًا، لا يرقى – من حيث المضمون والمنهج – إلى مستوى الاعتذار الموضوعي المتعارف عليه قانونيًا وإعلاميًا، بل جاء أقرب إلى التبرير والدفاع عن النفس. مع تحميل الجمهور مسؤولية ما وُصفته بإنه «سوء الفهم» و«إثارة الفتنة» من المتلقين.
 
أولًا: غياب الاعتراف الصريح بالخطأ.
الاعتذار الحقيقي يبدأ باعتراف واضح ومباشر بالخطأ، وهو ما افتقده البيان كليًا. 
 
فالاعتذار، في مدلوله القانوني والمهني، يفترض اعترافًا صريحًا بالخطأ، وتحمّلًا واضحًا للمسؤولية، وتراجعًا لا لبس فيه عن القول المخالف للحقيقة.
 
وهو ما خلا منه البيان تمامًا، إذ لجأت صاحبته إلى تحميل الرأي العام – ضمناً وصراحة – مسؤولية «سوء الفهم» و«إثارة الفتنة»، في خروج صارخ عن أصول الاعتذار، وتحويل غير مقبول للخطأ من فاعله للمتلقين وهو منطق يُفرغ الاعتذار من مضمونه ويحوّله إلى إدانة غير مباشرة للمتلقين.
 
ثانيًا: تجاهل الخطأ الجوهري المتعلق بسفر إشعياء.
أخطر ما ورد على لسان المذيعة في احد الحلقات هو الزعم بأن سفر إشعياء كُتب في القرن الخامس عشر لأسباب سياسية، وهو قول غير صحيح علميًا ولا تاريخيًا، ويمثل طعنًا مباشرًا في أحد أسفار الكتاب المقدس، بما يحمله ذلك من مساس بالعقيدة المسيحية ذاتها.
 
أن البيان خلا تمامًا من أي اعتذار أو تصحيح لهذا الادعاء الباطل، ولم يتضمن أي تراجع صريح عن هذه المعلومة المغلوطة، ولا اعتذارًا عنها، رغم أنها جوهر الاعتراض وليست مسألة هامشية.
 
ثالثًا: الثابت التاريخي واللاهوتي لسفر إشعياء.
الثابت تاريخيًا ولاهوتيًا أن سفر إشعياء كان معروفًا ومتداولًا قبل الميلاد بقرون، ويكفي في ذلك الدليل الإنجيلي القاطع، إذ إن السيد المسيح له المجد قرأ من سفر إشعياء في المجمع (إنجيل لوقا في الاصحاح الرابع )، وهو ما يشكّل شهادة دامغة على أصالة السفر وصحته.
 
كما أن مخطوطات قُمران (البحر الميت) أثبتت تطابقًا مذهلًا بين نصوص سفر إشعياء القديمة والنص الموجود حاليًا، بما يدحض أي ادعاء بالتحريف أو الكتابة المتأخرة.
 
رابعًا: تناقض البيان وسقوطه منطقيًا وقانونيًا.
حيث جاء البيان متناقضًا في بنيته؛ لا يستقيم منطقًا ولا قانونًا أن تُحمَّل جماهير الرافضين للتصريح مسؤولية «إثارة الفتنة»، ثم يُقال في موضع لاحق: «إن التوضيح والاعتذار واجب عليّ حتى لو أُسيء فهمه».
 
فإما أن هناك خطأ يستوجب الاعتذار، أو أن الجمهور مخطئ في رفضه.
 
وهذا التناقض يفرغ الاعتذار من معناه، والجمع بين الأمرين يكشف عن تناقض بيِّن يُسقط البيان ويُفرغه من أي قيمة قانونية أو أخلاقية.
 
خامسًا: الخلط بين التهنئة والاعتذار.
إن تهنئة المسيحيين بأعيادهم، أو الإشادة بدور الكنيسة والمسيحيين في المجتمع، أمر محمود في ذاته، لكنه لا يشكّل اعتذارًا، ولا يُغني عن تصحيح خطأ جسيم فيما يتعلق بما ذكرته المذيعة عن سفر إشعياء.
 
سادسًا: المسؤولية الإعلامية وحدود حرية التعبير.
حرية التعبير، وإن كانت مصونة، إلا أنها تقف عند حدود المساس بالعقائد الدينية والطعن في المقدسات، والخروج عن هذه الحدود يترتب عليه مسؤولية أخلاقية ومهنية وقانونية.
 
إن ما صدر عن المذيعة لا يُعد اعتذارًا بالمعنى الحقيقي، بل محاولة لاحتواء ردود الفعل دون مواجهة أصل الخطأ. وكان الأجدر – بحكم المسؤولية الإعلامية – تقديم اعتذار صريح، واضح، ومباشر، يتضمن تصحيح المعلومة الخاطئة عن تصريحها  عن سفر إشعياء دون مواربة أو تحميل الجمهور تبعات ما لم يقترفوه.
 
فالخطاب الإعلامي، حين يتناول قضايا دينية وعقائدية، لا يحتمل التخفف من المسؤولية، ولا يقبل أنصاف الاعتذارات، لأن الكلمة هنا تمس الإيمان والتاريخ والوجدان الجمعي.‬