كتب - محرر الاقباط متحدون
ترأس غبطة البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق، بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك، ورئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك بمصر، قداس عيد الميلاد المجيد، وذلك بكاتدرائية السيدة العذراء سيدة مصر، بمدينة نصر، وجاء في العظة :
بسم الآب والابن والروح القدس إله واحد، أمين.
من البطريرك إبراهيم إسحق بطريرك الإسكندرية وسائر الكرازة المرقسيّة للأقباط الكاثوليك، بنعمة الله، إلى إخوتنا المطارنة والأساقفة، وإلى أبنائنا الأعزّاء القمامصة والقسوس الرهبان والراهبات المكرسين والمكرسات والشمامسة، وجميع أبناء الكنيسة القبطيّة الكاثوليكيّة
في مصر وبلاد المهجر.
النعمة والبركة والسلام في المسيح مولود بيت لحم "وجاؤوا مسرعين، فوجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعًا في المذود" (لوقا ٢ : ١٦).
مقدمة:
أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، بفرح وتهليل أهنئكم جميعًا بعيد ميلاد الرب يسوع. في هذه الليلة المقدسة، لنركض مع الرعاة. لقد أخبرهم الملاك بعلامة بسيطة ومدهشة في آنٍ واحد: "تجدون طفلاً مقمطًا". وحين وصلوا ماذا وجدوا؟ لم يجدوا طفلاً وحيدًا منعزلاً، ولا ملكًا على عرشٍ من ذهب.
لقد وجدوا "عائلة": وجدوا مريم، ويوسف، والطفل.
نتأمّل معًا هذا المشهد من خلال ثلاث "كلمات" يهمس بها الطفل يسوع لقلوبنا الليلة: اللقاء، الجرح، والشفاء.
أولاً: "اللقاء" العائلة هي "مكان اللقاء بالله":
إلم تكن العلامة الوحيدة هى "الطفل المقمط" بل العلامة الكاملة هى : الطفل في احضان العائلة" في رؤية العائلة (مريم ويوسف والطفل). إننا نؤمن أن سرّ التجسّد
العظيم هو سر شركة وعلاقة. لم يشأ الله أن يخلّص العالم "من فوق"، بتعالٍ أو عظمة. بل اختار الطريق الأكثر تواضعًا: اختار أن يولد طفلاً في حضن أم وحماية
أب. هذا يخبرنا بشيء عميق: الله لا يعلن عن نفسه في العزلة، بل في "الشركة"، في دفء العلاقات الإنسانية. إن أعمق حقيقة في وجودنا البشري ليست "الأنا"، بل
"النحن"، أن نكون معًا.
فكلما خرجنا من ذواتنا لنحب الآخر، أصبحنا "بشراً" أكثر،
واقتربنا من صورة الله. عائلة الناصرة تقول لنا اليوم: إن الله يحب أن يسكن وسط روابطنا العائلية، وسط صخب حياتنا اليومية.
ثانياً: "الجرح":
لا تسمحوا لـ"المُفرِّق" يهدم وحدتكم
نعلم، وبواقعية شديدة، أن حياتنا العائلية ليست دائمًا مغارة هادئة. هناك عدو خفيّ يتربص بنا، يسميه الكتاب المقدس الشيطان، ”Diabolos“، أي ”المُفرِّق“ أو ”الذي يقسّم“. عمله الخبيث هو تمزيق نسيج المحبّة. هو الذي يجعلنا نركز على الشكليات وننسى "الجوهر". يجعلنا نقلق بشأن المال أكثر من قلقنا بشأن غياب الحوار بيننا ومع أبنائنا، أو برودة المشاعر بين الزوجين.
إنّ الخطيئة ليست مجرد مخالفة قانون؛ إنّها جرح في العلاقة. فالمُفرِّق يزرع الشك، ويغذي الغضب، ويستبدل
لغة "الحنان" بلغة "الاتهام". وحين نترك الشمس تغيب على غضبنا، وحين تحلّ الأنانية محلّ التضحية، فإنّنا نغلق الباب في وجه الطفل يسوع. إن الانقسام في البيت قد يكون بداية الانقسام في العالم؛ واذا كانت الحروب الكبيرة
تبدأ من حرب داخل بيوتنا، فإن الصمود الحقيقي يبدأ ب"شجعة المحبة" التي تختار التضحية على الأنانية، وتختار لغة الحنان على الاتهام. إن السلام الحقيقي
يجب أن يبدأ من المغفرة والمحبة داخل مغارة عائلتنا. هذه المغفرة ليست مجرد علاج داخلي، بل هي القوة الدافعية التي تؤهلنا لنشر السلام والمصالحة في مجتمعنا وعالمنا المضطرب.
ثالثاً: "الشفاء": العائلة كنيسة بيتية (مدرسة محبّة)
وسط عالم يحاول إعادة تعريف كلّ شيء، ووسط تيارات تضرب مفهوم الأسرة، يقف القديس يوحنا بولس الثاني ليسألنا: "أيتها العائلة، من أنتِ؟". اليوم، يجب أن
تجيب كلّ عائلة مسيحية بجرأة وشجاعة: "أنا كنيسة بيتية! أنا مدرسة المغفرة! أنا المكان الذي يُقبَل فيه الإنسان كما هو".
وفي هذا الطريق، نتعلّم سرًّا مهمًّا لحياة العائلة: ألّا يكون هناك صراع بين الكرامة والمحبّة. فالمحبّة الحقيقية تحفظ كرامة الآخر، والكرامة بدورها لا يجب أن تبعدنا عن المحبّة أو تكسرها. حين نحترم بعضنا ونحبّ بعضنا في آنٍ واحد، يثبت السلام في البيت، ويشعر كلّ واحد بأنّه محبوب ومكرَّم معًا. وبهذا، تصبح عائلتنا "ورشة سلام" حقيقية، حيث كل عمل محبة، وكل حوار صادق، وكل تضحية صغيرة، هو تدريب عملي على بناء السلام العالمي الذي نفتقده. إن العائلة هي مدرسه المحبة التي تعرف كيف تستخدم الكلمات السحرية، التى ذكرها المتنيح قداسة البابا فرنسيس: "من فضلك" (احترام)، "شكرًا" (امتنان)، و" سامحني" (توبة).
نداء إلى الرجاء والفرح:
أيتها العائلات إنّ بيتكم مدعو ليكون "مغارة حيّة" يولد فيها يسوع، كلّما غفرتم بعضكم لبعضكم، كلّما اجتمعتم حول المائدة بابتسامة، وكلّما احتضنتم ضعف بعضكم البعض. هذه المغارة الحية، بعمق سلامها، تتحول إلى خلية نور تضيء محيطها وتبدد ظلام اليأس في العالم.





