الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ
فيديو المذيعة التي ادّعت أنّ سفر إشعياء كُتب في القرن الخامس عشر الميلادي لا يكشف فقط جهلًا فادحًا بالتاريخ، بل يفضح أيضًا هشاشة الخطاب الشعبيّ المتداول حول «تحريف التوراة والإنجيل». فنحن أمام كلام يُقال بثقة مطلقة، من دون أيّ معرفة بالزمن، أو بالنصوص، أو بتاريخ المخطوطات.
القول بتحريف التوراة والإنجيل يُتداول في الخطاب الشعبيّ بثقة مذهلة، من دون أيّ تحديد تاريخيّ أو نصّيّ. والسؤال الذي لا يُجاب عنه قطّ هو: متى وقع هذا التحريف؟ وأين؟ وبواسطة مَن؟ ولصالح أيّ طرف؟ فالتوراة، مثلًا، نصٌّ مشترك بين اليهود والمسيحيّين منذ القرن الأوّل الميلادي. والافتراض القائل بتحريفها يقتضي أحد أمرين، وكلاهما غير معقول تاريخيًّا:
١. إمّا أنّ اليهود والمسيحيّين "اتّفقوا معًا" على تحريف النصّ نفسه، رغم الاختلاف اللاهوتيّ العميق بين الطرفين حول تفسيره، وهو افتراض غير قابل للتصديق تاريخيًّا.
٢. أو أنّ أحد الطرفين حرّف النصّ، ونجح في فرض هذا التحريف على الطرف الآخر، من دون أيّ أثر في المخطوطات، ولا في الترجمات، ولا في الاقتباسات الآبائيّة، وهو أمر مستحيل علميًّا.
الأمر نفسه ينطبق على الأناجيل. فالمسيحيّون والمتاحف والمكتبات تملك:
آلاف المخطوطات اليونانيّة، وترجمات مبكّرة جدًّا (سريانيّة، قبطيّة،حبشيّة، لاتينيّة)، واقتباسات واسعة لدى آباء الكنيسة في القرون الأولى.
هذا التنوّع الجغرافيّ والزمنيّ واللغويّ يجعل التحريف المتعمَّد الشامل مستحيلًا، لأنّ أيّ تغيير لاهوتيّ داخل النصّ كان سيظهر فورًا في المقارنة بين الشواهد. الدراسات النقديّة الجادّة لا تتحدّث عن «تحريف»، بل عن: تاريخ النصّ، تعدّد القراءات، تطوّر التقاليد، والفروق المحدودة الموجودة في النسخ التي لا تمسّ البنية اللاهوتيّة للنصوص.
أمّا لغة "التحريف" فهي لغة شعاريّة لا تاريخيّة، لا تُقدّم نصًّا بديلًا، ولا تحدّد مخطوطة أصليّة، ولا تشرح آليّة التغيير. ولو استُخدم المنهج نفسه مع أيّ كتاب دينيّ آخر، مثلا لو طرح أحد الملحدين هذا الاتّهام ضدّ القرآن الكريم، فماذا ستكون الإجابات؟ هي نفسها في الأغلب، المتعلقة بالتوراة والإنجيل: كيف حُرِّف؟ متى؟ وأين المواضع المحرّفة؟ وأين النصّ الأصليّ؟ كيف حُرّف في الوقت نفسه مع وجود مخطوطات متعدّدة في مواقع جغرافية متعدّده؟ المشكلة إذًا ليست في الإيمان بنصّ معين أو عدمه، بل في غياب الحدّ الأدنى من النزاهة التاريخيّة.
بل وفي غياب التفكير المنطقيّ!
الأب جون جبرائيل الدومنيكانيّ





