بقلم الأب يسطس الأورشليمى
جاء هذا القديس إلى الأراضي المقدسة مقتاداً بالروح وهو في سن التاسعة والعشرين وعرف عنه حبه للوحدة والصمت، وقد شارك في وضع بذور الحياة النسكية في الأراضي المقدسة وقال عنه القديس كيرلس أنه كان ينتقل من مجد إلى مجد. 

في خلال القرنين الخامس والسادس بلغت الحياة الرهبانية في الاراضى المقدسة أوج أزدهارها على مدى ثلاثة أجيال، فقد أكتسبت شهرة لا مثيل لها في الشرق المسيحي قاطبة، ولا سيما بفضل القديسين افتيموس وسابا وصفرونيوس، وكان لكل من هؤلاء صديق مقرب، ويعد هذا الإرتباط الأخوي الرهباني من أهم خصائص رهبان الاراضى المقدسة، يطلق على افتيموس البار المتوشح باللـه وأيضا كوكب الكواكب الساطع وأصله من ميلتيني في أرمينيا الصغرى، وقد نسك أولا في وطنه وصار كاهنا، ثم أقيم وهو في التاسعة من عمره رئيساً عاماً على رهبان بلاده، ولكنه هرب من ذلك المنصب وآتى إلى الاراضى المقدسة ونسك هناك نسكا شديدا نحو من67 سنة وتوفي سنة 473 في المنسك (الدير)، المدعو باسمه ((دير القديس افثيميوس ))، وهو غير بعيد عن دير القديس ثاوكتسطس ويعد افثيميوس شيخاً للرهبان والنساك في الاراضى المقدسة، إذ لمع جدا بفضله وكماله ونبؤاته وأعماله المجيدة، أسس كثيرا من الأمكنة للسياحة والنسك في براري الأردن مع شريكه في الأتعاب والمجد القديس ثاوكتسطس السابق الذكر، ومنذ عهد هذا القديس ابتدأ رهبان الاراضى المقدسة يصومون في براري الأردن من وداع عيد الظهور الإلهي إلي أحاد الشعانين، وحينئذ كانوا يرجعون إلى أديارهم ومناسكهم ليقيموا حفلات أسبوعي الآلام والفصح المجيد.

قد الحق الراهب الأخ ثيوكتستوس بالقديس افثيميوس، يحدثنا كاتب سير الرهبان كيرلس كيف وصل افثيميوس إلى عين فارة حيث يقول: " كان يجاوره هناك رجل ملهم من اللـه اسمه ثيوكتستوس، ومن فرط ميله إليه أتحد به في قرابة روحية بحيث أصبح  للاثنين تفكير واحد، وبدا كأنهما روح واحدة في جسدين اثنين، فيما بعد تولى كل منهما عملا يختلف عن الآخر، فأن ثيوكتستوس كان يقود جماعة من الرهبان يحيون حياة جماعية خاضعة لنظام صارم عرف باسم " كوينوبيون "، بينما كان افثيميوس يعيش منعزلا، وعلى مثال ذلك سار القديس سابا والقديس ثيودوسيوس متحدين منفصلين، أي مشتركين مفترقين، وكذلك كان صفرونيوس ويوحنا موسخوس زوجا رهبانيا متقارب التركيب.

أما سيرتا القديسين افثيميوس وسابا فقد دونهما راهب محلي الاراضى المقدسة من رهبان ديريهما، وهو كيرلس من سكان سكيثوبولس (اي بيسان)، وقد كان أجتذبه للإلتحاق بالرهبنة مار سابا ابن التسعين عاماً، بينما كان هو لا يتجاوز السادسة من العمر، وحدث ذلك أثناء زيارة القديس لمنزل أسرة كيرلس، وعمل أخيراً بنصيحة الناسك الصامت يوحنا التابع لرهبنة مارسابا، وكان قد عاكسه أول الأمر، فدخل دير افثيميوس عام 543، وفيما بعد وجد طريقة إلى منشأت دير مارسابا، ولما واجهت كيرلس صعوبات في وصف سير الرهبان تراءى له كل من افثيميوس وسابا في حلم، فأخرج افثيميوس من عبه علبة صغيرة تشتمل على عسل وسكب شيئا منه في فمه، واضاف كيرلس إلى مؤلفه سيرة يوحنا الصامت وكيرياكوس، وأعتبر ذلك ضروريا لإكمال الكتاب، لأن هذين الراهبين كانا أهم مرجعين للمؤلف، وأستنفد كيرلس مذكراتهما عن القديسين الملهمين العظماء.

ويتل فليمون في الليتورجية (طقس الخدمة) البيزنطية المنزلة الثانية بين جميع القديسين الرهبان بعد القديس أنطونيوس منشىء رهبنة الصحراء المصرية، وكان العام 405 عام قدوم افثيميوس إلى القدس، هو تاريخ منشأ ازدهار رهبنة الاراضى المقدسة، حين أمّ هذه البلاد كثيرون من كبدوكية.

وقد كان افثيميوس يعمل رئيسا لدير في "مليتينة" في أرمينيا، لكنه كان يتوق إلى راحة روحية ( هسيخيا )، وكان يريد أن يهرب من الشهرة التي كانت تحيط به فالتحق بأقدم مقر رهبنة اي لافرا عين فارة في الأراضي المقدسة، وكان في كل موسم الصوم المقدس ينسحب هو وثيوكتستوس إلى البرية، وقضى هنالك خمسة أعوام، ولهذا السبب بعينه أصبح مؤسسا لمقر رهبنة جديد، حيث كان بالقرب منه نساك لم يسعه أن يصرفهم، وكان الرعاة يزودونهم بالطعام، وكانت مجموعة الاخوة الأولى هذه في الوقت نفسه البذرة التي ملأت البرية بالأزاهير.

كانت إحدى القبائل العربية تقطن على الحدود الفارسية، ولما قام ملك الفرس يزداغيرد الأول بإضطهاد المسيحيين وأراد حمل العرب على القبض علي الفارين من المسيحيين إلى الولايات الرومانية، فضلت تلك القبيلة وشيخها اسفيبيت أن تهاجر هي نفسها إلى المناطق الخاضعة للروم، وضربت خيامها قرب المجمع الرهباني تيوكتيست، ولما شَفى افثيميوس ابن شيخ القبيلة المفلوج تيريبون أعتنقت القبيلة بأكملها الإيمان بالمسيح، ورسم افثيميوس اسفيبيت كاهنا، وفيما بعد رسمه البطريرك جوفينال "أسقف الخيام"، وهكذا نشأ عام 427 مركز الأسقفية المسمى " بارمبولا " المتجول.

وكان أحد أساقفة هذا المركز " الأسقف بطرس " الذي حضر مجمع أفسس المنعقد عام 431م وأنتخب عضوا في الوفد المكلف بمحاججة البطريرك نسطوريوس، وكان هذا متهماً بالهرطقة.

ولما عاود افثيميوس التشوق إلى الراحة، مضى بصحبة الشاب دوميتيان إلى الوحدة عند " روبا " بقرب البحر الميت، ومن ثم إلى " برية زيف " الواقعة إلى الجنوب من الخليل، غير أنه عاد أخيراً إلى دير ثيوكتستوس، وقد ساعدته جماعة من الأعراب في حفر بئر هناك، من بين الخمسين راهبا الذي تجمعوا منهم حوله والذين كان يعمل على تثقيفهم خرج بطريرك أنطاكي وخمسة أساقفة في الأرض المقدسة وعدد غفير من رؤساء الأديرة، بخلاف جميع الرهبنات الأخرى كان كل راهب منهم يذهب في فصل الصوم بمفرده إلى البرية، وفي عام 475، عندما كان على فراش الموت أستدعى افثيميوس الشماس فيدوس وأعرب له عن رغبته في أن تتحول المناسك الفردية الصغيرة ( لافرا ) إلى تنظيم رهباني كبير ( كونونيون)، وهذا ما حصل بالفعل، أقام مارتيريوس كونونيون حول القبر الذي بناه البطريرك لأبي الرهبان بعد أن هدم المناسك الفردية الصغيرة، تعيد الكنيسة الشرقية للقديس افثيميوس في العشرين من كانون الثانى في الطقس البيزنطي.