بقلم الأب يسطس الأورشليمى
نشأ يوحنا وزوجته شندوانا أو ارسكلاديا في روما في حياة تقوية مقدسة، وقد طلبا من اللـه أن يهبهما طفلا مباركاً فأعطاهم ارشيليدس الذي ربياه تربية مسيحية تقوية.

وعندما بلغ ارشيليدس السادسة من عمره توفي والده فأهتمت أمه به، وأستدعت له معلما من روما يسمى ثاؤفيلس يهتم بدراسة الكتاب المقدس والحكمة المسيحية فنشأ الصبي تقيا، ناجحاً في حياته، وإذ كبر دخل الجندية وصار ضابطا مرموقا، أرادت الأم أن يستكمل الابن دراسته في أثينا ليعود فيتزوج، فوافق ارشليدس على السفر للدراسة وأن كان رفض فكرة الزواج، أنطلق إلى أثينا ومعه شابان ليخدماه لكن السفينة توقفت في إحدى الموانىء ونزل ارشيلدس وزميلاه إلى الشاطىء ليجدوا أمامهم جثة إنسان غريق قد قذفته الأمواج إلى البر ...، عندئذ صار ارشليدس يفكر في زوال هذه الحياة مقررا أن يترك كل شيء ويترهب، وبالفعل قدم لكل شاب خمسين قطعة ذهبية وطلب منهما ألا يخبرا والدته بشيء، أما هو فعوض ذهابه إلى أثينا أنطلق إلى الاراضى المقدسة.

حيث ذهب إلى أحد الأديرة التي كانت تحت رعاية راهب يدعى "رومانس"، التقى ارشيليدس بالرئيس الراهب وتحدث معه فشعر الرئيس بنعمة اللـه العاملة في ارشيليدس، فقبله بعد أن أظهر له صعوبة طريق الرهبنة، قدم له قلاية منفردة.

إذ جاء وقت الطعام أعتذر ارشيليدس أنه لم يعتد أن يأكل خبزا قط بل يكتفي بقليل من الحبوب والبقول ....، كما لاحظ عليه الرهبان نعمة اللـه حالة عليه، فأحبه الجميع، وكانوا يستشيرونه.

وإنقطعت الأخبار عن الأم  فقلقت وإضطربت، وصارت تسأل عنه بدموع في أثينا فلم تستدل عليه، أشار عليها البعض أن تفتح بيتها لإضافة الغرباء، لعلها تستطيع أن تستدل عليه من أحدهم ...، ولكن مرت الأيام ولم تعرف عنه شيئا ولم تستطيع أن تتعزى، شاعره بأنها دفعته للموت بيديها إذ حثته على ترك الجندية والسفر إلى أثينا للمزيد من العلم.

في أحد الأيام إذ استضافت بعض التجار الغرباء من الاراضى المقدسة، وقد رأوا إنسانا يصرعه شيطانا، صاروا يتحدثون فيما بينهم أنه يلزم ارساله إلى الاراضى المقدسة في دير الأب رومانس ليصلي عليه الراهب ارشيليدس فيشفى، وكانوا يتحدثون عن هذا الراهب وعمل اللـه معه والأم تنصت حتى وإذ أدركت من حديثهم أنه ابنها سألتهم أن يخبروها عن طريقه لتذهب إليه فتشفى من علة في جسدها أصابتها منذ اثنتي عشرة سنة وقد فشل الأطباء في علاجها، أجابوها أن الطريق شاق والمسافة طويلة، لكنها أصرت أن تعرف مكانه لتراه، فأجابها أنه لا يرى وجه امرأة أنما يكتفي بالصلاة على زيت يرسله للمريضة فتدهن به نفسها فتبرأ.

جمعت الأم كل أموالها وأنطلقت بها إلى أسقف روما تقدمها له وهي تقول له أن اللـه قد سمع صلاتها وارشدها إلى ابنها الذي صار راهبا بالاراضى المقدسة، وأنها قد عزمت على الذهاب إليه، وهاهي تترك كل ممتلكاتها بين يدي الأسقف للتصرف فيها، والصلاة من أجلها.

سافرت الأم إلى الاراضى المقدسة وعانت الكثير حتى بلغت دير الأب رومانس، وقد نسيت كل تعب أمام بهجتها برؤية ابنها ....، قرعت باب الدير وإذ التقت بالراهب المسئول عن الباب طلبت مقابلة الراهب ارشيليدس، فأعتذر لها أنه لا يقابل امرأة قط، توسلت إليه أن يذهب ويخبره هكذا: "هوذا أمك واقفة على الباب تريد أن تراك قبل موتها ".

ذهب الراهب يخبر ارشيليدس بالأمر، فحارت نفسه فيه، ثم ركع يصلي طالبا العون من الـله إذ قد وعد اللـه ألا يرى وجه امرأة قط، ثم سأل الراهب أن يذهب إليها ليقول لها أنه لا يستطيع رؤيتها وإن أرادت فلتترهب هي في أحد أديرة النساء، أجابته الأم: "قل له: لقد عانت أمك من مشاق الطريق ومالاقته من أهوال البحر، كما أنها هي التي أنجبتك وتعبت في تربيتك ليلا ونهارا، ليتك تستجيب لتضرعي وتسمح لي بدقائق أقضيها معك ... فأنت عزائي وسلوتي وقلبي ".

أخبر الراهب الأب ارشيليدس بكلمات أمه، فسأله أن يخبرها بأن الرب سيعوضها عن تعبها لكنه لن يحيد عن عهده مع الرب ...، وإذ لم تسترح الأم لإجابته أنه أن رفض مقابلتها فستذهب إلى البرية وتترك نفسها للوحوش ويطلب دمها منه، لم يحتمل الأب ارشيليدس هذه الكلمات فطلب من الراهب أن يسمح لها بالدخول، وكانت عيناه تزرفان الدموع، ركع ارشيليدس ليصلي طالبا من اللـه ألا يتخلى عنه وأن يأخذ نفسه في يديه ليلتقي معه، وإذ دخلت الأم على ابنها وجدته قد فارق الحياة، فبكت بمرارة نادمة على إلحاحها في مقابلته، وسألت الرب أن يأخذ نفسها مع ابنها، وبالفعل ركعت الأم بجوار جسد ابنها لتسلم الروح، أجتمع الرهبان حول الأب ارشيليدس وأمه ليسمعوا من الراهب المسئول عن الباب ما قد جرى، وكانت دموعهم لا تتوقف من أجل هذا الأب العجيب في محبته للـه وإذ أرادوا دفن الجسدين أختلف الرهبان فيما بينهم أن كانوا يدفنونهما معا أم لا، وإذ هم يتباحثون في الأمر سمعوا صوتا يخرج من جسد القديس ارشيليدس، يقول: "أسألكم يا أخوتي أن تجعلوا جسدي مع جسد أمي، لأني لم أسمح لها برؤيتي ونحن في الجسد، أما الأن وقد خرجت من هذا العالم فأتركوا الجسدين معا ". تعيد الكنيسة بتذكار نياحتهما في 14 من شهر طوبة.