بقلم الأب يسطس الأورشليمى
كان دوروثيوس شابا أنطاكيا مثقفا ثقافة كلاسيكية أختار الأنتظام في سلك حياة التنسك وبعد توسط رئيس الدير سريدوس سمح لدوروثيوس أن يخدم يوحنا النبي، ولما كان ذا ثقافة طبية سمح له بأن يؤسس مركزا طبيا للعناية بالأباء المرضى، وقد نقل إليه رئيس الدير سريدوس أيضا نصائح برسانوف الروحية.
ويؤخذ من تقرير منقول عن دوروثيوس عن الحقبة التي كان يخدم فيها النبي يوحنا في مرضه، أن علاقته بمخدومه كانت علاقة الابن المعترف الي أبيه الروحى، ومما قاله: كنت أقبل باب صومعته من الخارج تماماً كما يكرم المرء الصليب الموقر وكل يوم بعد إنتهاء خدمتي وعندما استأذن الأنطلاق حانياً رأسي إلى الأرض كان يزودني بعبارة زاد للطريق كان يختار من بين أربع آيات من أقوال الرهبان المجموعة في مصر ومن العهد الجديد، ويزودني كل مرة بواحدة منها، وكان من عادته قبل تلاوة الآيات أن يقول المهم في الأمر، أيها الأخ أن يُبقي اللـه المحبة متيقظة ثم يتبعها بقوله: يقول الأباء أن إحترام ضمير القريب يساعد على الوصول إلى ضعة النفس، وفي مساء آخر كان يقول قول الأباء أني لم أقدم إرادتي قط على إرادة أخي وفي مرة أخرى أبتعد عما يكمن داخل الإنسان فتخلص وأخيراً كان يقول أحملوا بعضكم أثقال بعض، وهكذا أتموا ناموس المسيح وهكذا كان الشيخ يزودني دائما بإحدى هذه الحِكََّم الأربع عدة للطريق لضيق الوقت أن إعادة العبارات غنية المعنى كانت تساعد الرهبان دائما على مواصلة توجههم نحو الخلاص، لاسيما عندما كان أحدهم يصاب بالإحباط كما حدث لدوروثيوس في دير سيريدوس الذي أستطاع أن يختبر ما ساعد على إنهاضه يحدثنا أنه كان واقفا في ساحة الدير خائر العزم وشاهد داخل الكنيسة شكل أسقف يحمل القربان المقدس والتفت إليه الأسقف ولمس صدره بأصابعه وردد ثلاث مرات هذه الأيات من المزمور الأربعين هي: أنتظاراً أنتظرت الرب فمال الي وسمع صراخي وإنتشلني من جب الهلاك، من طين الحمأة وأقام على صخرة رجلي ثبت خطواتي وجعل في فمي ترنيمة جديدة، تسبيحة لإلهنا.
ويقول دوروثيوس: إمتلأ قلبي بالنور والفرح والعزاء والحلاوة ولم أعد ذلك الإنسان الذي كنت قبلا.
أوكل إليه أن يعتني بأحد الجنود واسمه دوسيتيوس أجازه قائده ليقوم برحلة الحج وقد شاهد بطريق الصدفة في جثيمانى تمثيل عذاب الجحيم، وأثر فيه ذلك المشهد تاثيراً رهيباًً، ثم ظهرت له والدة الإله في رؤيا وأشارت عليه بإتباع طريق النسك ورافق الشاب عديم الخبرة أصدقاء رئيس الدير سيريدوس وأقتادوه إلى دير في غزة، وطلب رئيس الدير إلى دوروثيوس قائلا: أصنع لي هذا المعروف وأقبله من أجل خلاص نفسه ولم ينثن دوروثيوس عن مقاومته إلا بتدخل برسانوف، فقد قال هذا الشيخ: أقبله لأن اللـه لن ينقذه إلا على يديك وبدأ يدرب الشاب على الصيام تدريجيا في الوجبة الأولى كان دوروثيوس يسمح للقادم الجديد أن ياكل قد ما يشاء من الخبز ولكن الكمية اضحت تنصف في الوجبات التالية وكان مرشده دوروثيوس يسأله هل أنت جائع يادوسيتيوس؟ كانت الإجابة في المرات الأولى: نعم ياسيدي قليلا، ولكن عندما ساله بعد أيام: كيف حالك يا دوريتيوس؟ أمازلت جائعاًً؟ كان جوابه: لا ياسيدي أنا بخير بفضل صلواتك وهكذا أخذت كمية الخبز تتناقص إلى أن خفضت إلى ثماني أونصات (218غرام)، كان دوسيتيوس يساعد في مركز التمريض وكان الجميع راضيا عن خدمته غير أنه إذا أتفق أن فقد صبره مع أحد المرضى كان من فوره يترك كل شئ ويسرع إلى خليته باكيا لا يريد أن يتعزى وعندما دعي دوريتيوس لم يعفه من التوبيخ، إذ كان فيقول له ألست تدري أن من سببت له الألم أنما هو المسيح نفسه؟ وبعد أن فاض سيل دموعه كان دوريتيوس يلين ويقول: ليسامحك اللـه، أنهض وكان دوسيتيوس يسرع مهللا مستبشرا إلى خدمته وقد تكرر الحادث ولم يكن دوريتيوس قط يجعل تلميذه الذي أوكل له تدريبه أن يتعلق بأي شيئ يرغب فيه ذاك فإذا إحتاج دوسيتيوس إلى معطف أخذه من دورويتيوس وكان حاذقاً في إصلاحه، عندمت رأى دوروتيوس هذا كان باستطاعته أن يقول هلم أعطه لهذا أو ذاك المريض وما كان من دوسيتيوس إلا أن يستجيب للطلب بفرح وبدون أي اكراه.
عندما عرض أحد التجار سكيناً فاخرة أخذها دوريتيوس لإستعمالها في مركز العناية بالمرضى، أما دوروثيوس وأن كان يعلم أن تلك السكين تنفع لقص الأربطة الطبية فأنه لم يسمح لدوريتيوس بالإحتفاظ بها وقال له اتريد أن تكون عبداً لهذه السكين بدلاً من أن تكون عبداً للـه؟ قم ألق بها عنك ولا تعد تلمسها فأطاع دوسيتيوس وكان الباقون يستعملون هذه السكين ولم يسأله قط: لماذا لا أستعملها أنا؟، عندما أخذ دوستيوس يبصق دما وسمع أن البيض الطري يساعد على الشفاء من مرض كهذا أدى ذلك إلى حوار بينه وبين معلمه هو مثال على الإستغناء عن الإرادة الخاصة إستغناءً كلياً، فقال: ياسيدي أريد أن أبلغك أني سمعتهم يتحدثون عما ينفعني ولكني لا اريد أن تسمح لي خشية أن تتعلق أفكاري بهذا الموضوع قل لي يادوسيتيوس لا بأس عليك بم يتعلق الأمر؟ عدني أولا أنك لن تسمح به وكانت النتيجة منع البيض كان دوريتيوس يعلم تلاميذه الصلاة على طريقة الرهبان المدعوة صلاة يسوع وذلك أن يقول المصلي بلا أنقطاع ايها الرب يسوع المسيح إرحمني يتخلل إعادتها عبارة يابن الإله أسرع لمعونتي، وعندما أشتد مرض دوريتيوس نصحه معلمه قائلا كن متيقظا كي لا تفوتك هذه الصلاة، وعندما ضعف جدًا كان معلمه يسأله كيف أنت والصلاة؟
فيجيب أرجو المعذرة ياسيدي لم يعد في مقدوري الإحتمال وعندها كان دوروتيوس يقول: دعك الأن من الصلاة فكر فقط في أن اللـه حاضراً أمامك، ثم تسلم دوريتيوس وهو على فراش الموت بشارة بارسانوف القائلة: "إذهب بسلام أحتل مكانك عند الثالوث الأقدس وأشفع لنا"، قابلها الأخوة بالغضب والأستنكار لأنهم لم يكونوا قد شاهدوا دوسيتيوس يصوم اليوم تلو الاخر كما كانوا يفعلون هم ولا يسيتيقظ مبكرا في موعد صلاة الليل بل على العكس من ذلك كانوا قد لاحظوا أنه كان احيانا يختلس شيئا من المرق المعد للمرضى أو ياكل رأس سمكة باقيا أن الأمر الذيكان يعني ناقل الخبر هو أن يبرهن أن قداسة الراهب تظل مخفية عن العيان لم يمض دوروتيوس في دير سيريدوس سوى خمسة أعوام وبعدها أسس ديرا خاصا به ولم يكن تعليمه هنا يقتصرعلى رهبانه، بل كان يشمل أيضا المؤمنين من غزة ممن كانوا يجيئون لزيارته وفي كتابه المسمى دروس تنفع النفس كان شأنه في ذلك شأن بارسانوف يوصي بمتابعة الكتاب المقدس ودراسات الأباء، وضمن كتابه تعليقات على كتاب أبو فتيجيماتا المصرى أي أقوال الرهبان الحكمية ومؤلفات الأباء الكبدوكيين، أما جميع ما كتبه دوروتيوس فتؤيد خبرته الخاصة فهو قريب من الواقعية وفي متابعة مراحل الخلاص يصل المرشد الروحي إلى النتائج الحتمية الآتية لإذلال النفس وقهر الإرادة والعمل بوحي من إرادة قائد روحي، وهكذا ننال نصيباً من سر صليب المسيح وقيامته آه ياأخي كم من الشر يجلب تقدير الإنسان نفسه أكثر مما تستحق، وأية طاقة تكمن في إذلال النفس هذا هو الوضع ياإخوتي ما دام الإنسان لا يسعى لأن ينسب الظلم لنفسه فما دام هو يجترئ في قلة حيائه أن ينسب الظلم للـه، أن ادم وحواء كليهما لم يتنازلا ويعترفا بذنبهما، كم من البلايا أصابتنا من جراء هذا الجنون تبرير الذات وقد أدرك جميع القديسين هذه الحقيقة ومن هنا أخذوا يسعون عن طريق إنكار النفس إنكاراً كليا والإلتجاء إلى اللـه، أما دوريتيوس فوجه الأنظار إلى مثال بدأ عيش النساك: كان الأباء قد أدركوا أنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى الفضيلة بسهولة في العالم ولذلك فقد أحتفظوا لأنفسهم وجودا مميزا ونمط حياة خاصا بهم أعني حياة النسك وشرعوا يفرون من العالم يقيمون في الفلوات ويحافظون على قواعد الصوم وينامون على أرض صلبة ويسهرون الليل بطوله ويمارسون ألوانا أخرى من التقشف في تنازل تام عن الأهل وحياة اليسر والتنعم، وبإيجاز نقول هم صلبوا العالم في أنفسهم أنهم لم يحفظوا الوصايا فحسب بل قدموا إلى اللـه بالإضافة إلى شبه هدايا واقصد بهذا أن اقول أن وصايا المسيح تعني المسيحيين كلهم فهي تشبه إذا صح التشبيه الضريبة التي يتقاضاها الملك من الشعب والذي يمتنع عن دفعها لن يفلت من العقاب ولكن يوجد في العالم أولئك العظماء الذين لا يكتفون بدفع الضرائب بل يضيفون إليها الهدايا فيحظون بالمقابل بالإكرام والتقرب والرتب المرموقة وعلى مثال ذلك قدم الأباء الهدايا للـه ممثلة بالتبتل والفقر، وهذه ليست بالوصايا بمقابلة بنظرية النسك في مناطق أخرى لم يكن رهبان غزة يعتقدون أن غرمائهم هم الأبالسة بل أن صاعهم مع الشهوات النابعة من الذات وهي أمراض النفس التي تفتق إلى الصحة أن التجارب تتيح للمرء الفرص لإحراز تقدم روحي، وما يسمى بالأفكار العقلانية، ما هو الا حسابات مخطئة تنشأ حين يسمح إنسان لأهوائه وأنفعالاته بأن تضلله وهنا تنموا وتترعرع إرادة الفرد.
(التلماتا) فهذه الإرادة الحرة تزين للإنسان بأن أتباعها أنما ينجز أعمال الفضيلة أن هذه النظرة نشأت عند بارسانوف ويوحنا النبي، وقد تبنأها بعدهما دوريتيوس كاملة أنه وأن تكن عطية التمييز تقدر كثيراً لدى المعاصرين بأعتبارها مقبولة لدى اللـه، كان أهل غزة ولاسيما المبتدئون يعدون السماح للنفس بالإعتماد على التمييز الفردي ظاهرة خطرة، وكان دوروتيوس طيلة إقامته في دير سيريدوس معتاداً أن يأتمن يوحنا النبي على جميع أفكاره في أثناء الإعتراف، أنما كان يقض مضجعه السؤال الصادر عن الشك وهو لماذا يثقل الشيخ إلى هذا الحد؟ وتبين على أثر ذلك أنه يتحتم عليك الوصول إلى هذه النتيجة وهي أن تحرم نفسك من عطية التمييز التي تطهر كأنها مقبولة لدى اللـه لكنها مرفوضة منه وأن ما تعرفه هو من الأبالسة والأمور التي لك من نفسك لا يمكن أن تكون أمورا صالحة.
كان لكتاب دوروتيوس المسمى دروس تنفع النفس أثره على تاريخ الرهبنة بأكمله، وقد ترجم إلى العربية في دير سيناء في القرن الرابع ثم أنتشر من القسطنطينية إنتشارا واسعا بفضل مساعي تيودور ستوديسيس، وكان هذا الكتاب يتلى في ردهة طعام الرهبان على جبل اثوس، كما ويروي هذه التعاليم نيل سوروسكي في كتاباته، أما في الأراضي المقدسة فنالت إعتباراً جديدا عندما ذكرها البطريرك الأنطاكي يوحنا اكسيتيس في زمن الحروب الصليبية في كتابه عن الأنضباط الرهباني.





