بقلم الأب يسطس الأورشليمى
وفي اليوم الثامن والعشرين من ديسمبر، وفي نفس مدينة قيصرية، قدم بطرس الناسك الملقب أبشالوم برهاناً بالنار على إيمانه بمسيح اللـه، وكان بطرس هذا من مدينة أنيا على حدود اليوثيروبوليس، وكان كالذهب الخالص، وبالرغم من أن القاضي ومن حوله رجوه مراراً أن يشفق على نفسه وينجي شبابه، فأنه لم يبال بهم مفضلاً الرجاء في إله الكون على كل شئ، بل على الحياة نفسها، وفي نفس الوقت كان هنالك شخص اسمه اسكلبيوس، يزعم أنه أسقف من شيعة مركيون، ويعتقد أنه غيور على المسيحية "ولكن ليس حسب المعرفة" وهذا ختم حياته حرقاً بنفس الطريقة، هذا ما كان من هذه الأمور التي تمت على هذا النحو.
بمفيلوس البيروتي :
بناء على المرسوم الخامس الذي أصدره مكسيمينوس دازا، قبض أوريانوس حاكم قيصرية على بمفيلوس سنة 307، ذلك الرجل الذي كان حسبما رأى أوسابيوس صديقه الحميم وتلميذه، من أكبر علماء الكتاب المقدس… ، نشأ مواطناً في بيروت من أسرة شريفة، وتلقى العلم في معاهدها الوثنية، ونبذ الثراء والشهرة العالمية، وأنكب على الدراسات الدينية المسيحية ، كان يسلك في حياته مسلكاً نسكياً، فباع كل ما آل إليه، ومنحه للفقراء، ثم رحل إلى الإسكندرية حيث تتلمذ على بيريوس Pierius، مدير مدرستها اللاهوتية وهو رابع خلفاء أوريجانوس في إدارة هذه المدرسة، ثم هجرها على نحو ما فعله أوريجانوس من قبل، إلى قيصرية عاصمة الاراضى المقدسة حيث سيم قساً، وهناك نصب نفسه لتكملة عمل أوريجانوس، لا في تعليم الطلاب الذين اختلفوا إليه فحسب، بل في مقارنة نصوص الإنجيل، فجمع في بيته مكتبة ضخمة، جمع كتبها من أماكن كثيرة في العالم، ثم حوكم أمام الوالي أوربانوس، فأظهر فصاحته وسعة اطلاعه الفلسفي، وإذ رفض تقديم القرابين للآلهة، وقعت عليه تعذيبات مبرحة، وأودع السجن، وكان غاصاً بالمعترفين المسيحيين، بقي بمفيلوس في سجنه سنتين كاملتين، لم يضيعهما سدى، بل ألف مع أوسابيوس المؤرخ الكنسي، كتاباً من ستة أجزاء، دفاعاً عن أوريجانوس، وجهه إلى المعترفين الذي كانوا يعملون في مناجم النحاس بالاراضى المقدسة.
ثم حوكم أمام والى آخر يدعى فرميليأنوس خلف أوربانوس في الولاية، وبعد أن علم أنه ورفاقه مروا بمراحل تعذيب متعددة، أحس بأن محاولة إكراههم على الإرتداد عن المسيحية أنما هي مضيعة للوقت، وأكتفى بسؤالهم، ما إذا كانوا يميلون إلى التقريب للآلهة، ولما رفضوا أصدر حكمه عليهم بقطع رؤوسهم.
وقد أعدم مع بمفيلوس أحد عشر شخصاً آخر، وأمر فرميليانوس بترك جثث هؤلاء الشهداء أربعة أيام بلياليها للوحوش والطيور الجارحة، ومع ذلك لم يقربها طير ولا وحش، وفي اليوم الخامس نقلها المسيحيون، ودفنوها بإجلال في الكنيسة، وكان ذلك سنة 309.
سيــدة وعـــذراء من غزة :
وبعد ذلك مباشرة ألقى القبض في غزة على آخرون كانوا مجتمعين ليسمعوا الكتاب المقدس، وعانى البعض نفس الآلام في أقدامهم وأعينهم، وقاسى آخرون أهوالاً أشد وتعذيبات مبرحة في جنبهم.
من بين هؤلاء شخصية ممتازة، هي في الجسم امراة وفي قوة الإدراك رجل، لم تحتمل التهديد بالزنى، وهاجمت مباشرة ذلك الطاغية الذي سلم الحكم لقضاة قساة القلوب كأولئك، فجلدت أولاً، ثم رفعت إلى فوق على خشبة، ومزق جنباها.
وإذ كان هؤلاء المعذبون يعذبونها بلا توقف وبقسوة كأمر القاضي برزت امرأة أخرى، وطدت العزم على أن تظل عذراء، وكانت وضيعة المظهر محتقرة الشكل ولكنها من الناحية الأخرى قوية النفس، متحلية بقوة إدراك أقوى من جسمها، وإذ لم تحتمل أعمال القسوة والوحشية أظهرت بسالة دونها بسالة المحاربين اليونانيين ثم صاحت إلى القاضي من وسط الازدحام " إلى متى يطول تعذيبكم القاسي لأختي؟ "فاحتدم غضبه وأمر بإلقاء القبض على المرأة في الحال.
وعلى أثر ذلك قدمت، وإذ نادت بنفسها باسم المخلص السامي، طلب منها أولاً بالكلام أن تذبح للأوثان، ولما رفضت جروها عنفاً إلى المذبح، ولكن أختها استمرت في غيرتها الأولى، فرفست المذبح بكل جرأة وشجاعة، وقلبته بما كان عليه من نيران
وللحال زأر القاضي كوحش مفترس وعذبها بمنتهى القسوة في جنبيها مما لم يرتكبه مع أحد آخر من قبل، محاولاً أن يشبع نفسه بالتطلع إلى جسمها المسخن بالجراح، ولما أشبع جنونه أوثقهما معاً، هذه المرأة وتلك التي دعتها أختها، وحكم عليهما بالحرق، ويقال أن الأولى من غزة والثانية، واسمها فالنتينا من قيصرية، وكانت معروفة لدى الكثيرين.
الشهـــيد بولــــس :
وكيف أستطيع وصف الإستشهاد الذي أكرم به بولس المثلث الغبطة وصفاً لائقاً، فقد حكم عليه بالموت معهما في وقت واحد وبحكم واحد، وفي وقت إستشهاده، وكان منفذ الحكم على وشك قطع رأسه طلب مهلة وجيزة.
وإذ منحت له رفعت صوتاً واضحاً أولاً، متضرعاً للـه من أجل زملائه المسيحيين، طالباً لهم الصفح ورد الحرية إليهم سريعاً، ثم طلب رجوع اليهود إلى اللـه بالمسيح، وطلب نفس الطلبة من أجل السامريين، وتضرع من أجل الأمميين العائشين في الضلال دون معرفة اللـه لكي يعرفوه ويقبلوا الديانة الحقة، كذلك لم يهمل الجماهير المختلطة الواقفة حوله .
بعد كل هذه – يالقوة الصبر وطول الأناة التي لا يعبر عنها – توسل إلى إله الكون من أجل القاضي الذي حكم عليه بالموت، ومن أجل أعاظم الحكام، وكذا من أجل الشخص الذي كان مزمعاً أن يقطع رأسه، على مسمع منه وكل الحاضرين، طالباً أن لا تحسب عليهم خطيتهم من نحوه.
وإذ صلى من أجل كل هؤلاء بصوت مرتفع، وحرك في الجميع عاطفة الشفقة وأسال عيونهم بالدموع كشخص يحكم عليه بالموت ظلماً، استعد للأمر من تلقاء ذاته، ومد عنقه العارية للسيف، فكلل بإكليل الشهادة الإلهية في اليوم الثالث والعشرين من شهر يوليو هكذا كان ختام حياة هؤلاء الأشخاص.
بعد أمثال هذه التصرفات النبيلة التي أظهرها شهداء المسيح البارزون، خفت وطأة نيران الإضطهاد، بل أطفأتها دماؤهم الطاهرة، ومنحت الراحة والحرية لمن كانوا يعملون في محاجر طيبة من أجل المسيح ، وبدأنا نتنسم هواء نقياً فرصة قصيرة.





