د. محمد طه
سهل جدا نشوف التحرش بالأطفال واغتصابهم أو هتك عرضهم على إنه مرض أو انحراف سلوكي وندور له على ردع وحل وتقويم.. ونتكلم فى ضرورة ان الأهالى يسمعوا أولادهم، وحتمية تغليظ العقوبات الرادعة، وزيادة اجراءات الحماية والأمان فى المدارس والنوادى وغيرها من الأماكن.. وهكذا..

لكن فى رأيي ان ده مستوى واحد من مستويات رؤية المشكلة والتعامل معاها.. وربما يكون المستوى الأسهل والأكثر مباشرة.. لكن فيه مستويات أعمق وزوايا أهم محتاجين نشوفها منها.. أهمها ان جريمة التحرش بالأطفال -فى رأيي- عرض وليس مرض.. واننا محتاجين ندور على جذور وأسباب المرض الحقيقي.. ونعترف بيها.. ونواجهها.. ونتعامل معاها بشجاعة وصدق..

المرض الحقيقي – من وجهة نظرى- هو مرض مجتمعى.. ليه جذور فى العقول.. وأسباب فى الأفكار.. ودوافع مريضة فى النفوس..

تصور ان تكون الرسالة الأساسية، والاعتقاد السائد وسط عدد هائل من الناس (رجالة وستات) هي انه دايماً الطرف التانى (أنثى- طفلة- طفل) هى المسئولة عن تنظيم رغبات الذكور الجنسية.. يعنى هى تم التحرش بيها.. يبقى هى كانت لابسة إيه، وحاطة برفان ليه، وإيه اللى وداها هناك.... هى تم ابتزازها جنسياً فى مكان شغلها.. يبقى إيه اللى خلاها تشتغل من أصله.. هى محتشمة وبتقدم برنامج قرآن.. إزاى تجيبوا امرأة تقدم برنامج فيه قراءة قرآن.. هاتحرك الشهوات.. 

دى شعرها.. ودى كعبها.. ودى شنطتها.. ودى صوتها.. 

وده لا يسرى على المرأة أو الست البالغة فقط، ده كمان يسرى على الطفلة.. مش بس فى الشارع ولا فى المدرسة.. ده جوا بيتها شخصياً.. فيتقالها ماتلبسيش بيجامة كاتcut- فى البيت علشان ماتثيريش أبوكى.. وماتقعديش بالشكل الفلانى علشان ماتثيريش أخوكي.. وناقص يتقالها ماتتنفسيش بصوت عالى علشان ماتثيريش الهوا..

تصور كمان ان الرسالة التانية، والاعتقاد الآخر الراسخ ان الذكور ليهم الحق والسلطة انهم (يؤدبوا) الإناث.. بس كده.. لمجرد انه مكتوب فى بطاقته (ذكر)، وانها مكتوب فى بطاقتها (أنثى).. لو قالتله (لأ) تتأدب.. لو مالهاش نفس أو مالهاش مزاج بالليل، هاتبات ملعونة ومغضوب عليها، وتتأدب برضه.. لو رفضت تكمل معاه وطلبت الانفصال.. يالهويييييي.. والتأديب ده يشمل (الضرب) اللى كتر ألف خيرهم خففوه وجملوه علشان ماتتعورش.. 

والضرب – فى فهمهم- مش بس للزوجات (النواشز).. لا.. ده كمان الضرب لتأديب الأطفال، وتعليمهم والزامهم مثلاً بآداء الصلاة.. تصور ان عقل حد ممكن يخلو من أى منطق لدرجة إنه يتصور ان ربنا هايحب إن طفل صغير (لم يبلغ حتى سن التكليف) يقف بين إيده ويصلى، لأنه مضروب، أو خايف من الضرب!!

طيب.. هايترتب إيه على الاعتقاد بإن تنظيم رغبة الذكور هى وظيفة الإناث، وان الذكور ليهم حق وسلطة تأديب الإناث (بالضرب لو لزم الأمر- حتى لو كانوا أطفال)..

هايترتب عليه ان الأنثى أو البنت أو الطفلة اللى ماتمارسش دورها فى تنظيم رغبات الذكور، والمشى على مسطرتهم المهووسة.. فهى -فى نظرهم- تستاهل اللى يجرالها.. تستاهل التحرش.. تستاهل الاعتداء.. تستاهل العقاب.. وده -فى عقلية بعضهم- جزاء وردع واجب..

ويترتب عليه كمان تصور منحرف للغاية، وهو ان "اللى بيتحرش بأطفال بيكون عنده كبت جنسي، بسبب المظاهر والمناظر اللى شايفها طول اليوم من الناس اللى لابسة لبس مثير، فما بيصدق يلاقى حاجة يصرف فيها غريزته".. تصور!! ده كلام اتقال نصاً فى أحد الفيديوهات الشهيرة.. ويقتنع بيه ويؤمّن عليه مئات الآلاف على الأقل من الناس اللى عايشين بينا وحوالينا..

وهايترتب عليه كمان شعور مبالغ فيه جداً بالاستحقاق الشديد (المريض) عند أى ذكر إنه (من حقه) يعلق، أو ينقد، أو يتطفل على اختيارات، وقرارات، وتحركات، وحرية أى أنثى- صغيرة كانت أو كبيرة- ويكون متصور ومصدق انه بيعمل ده من باب النصيحة (اللى فى حقيقتها حشرية ونطاعة).. لدرجة ان البعض يعلق على صورة ابنة لاعب شهير ب"متى تلبسين الحجاب يا .....، صرتى عروس قمر اللهم بارك”!!! ولدرجة ان كتير من الناس اللى علقوا على قرار واختيار شخصي لفتاة أخرى قالوا نصاً: "انتى مش حرة".. "اوعي تقولى انك حرة".. "ماتفكريش نفسك حرة".. يانهار اسود.. إيه ده.. مين بيدى حرية الاختيار لمين.. مين ادى لنفسه الحق ده!!!

تخيل بقى إن فيه رسالة تالتة.. واعتقاد أبشع.. موجود كمان داخل عدد لا بأس بيه من هذه العقليات.. وهو ان الطفلة الصغيرة.. لو كانت بدينة أو سمينة أو (مربربة).. فإنها ممكن يتم وطئها/نكاحها/الزواج منها.. آه والله.. ده كلام اتقال نصاً فى أحد اللقاءات المصورة والأكثر انتشاراً.. 

تصورت؟ وتخيلت؟
شوفت وعرفت؟
كل ده يعمل إيه بقى..

ده يخلى الضحية (الأنثى أو الطفلة أو الطفل) طول الوقت هى المتهمة، وهى السبب، أو فى أحسن الظروف هى شريكة فى الجريمة.. رغم انها ضحية.. وفى بعض الأحيان ضحية متعورة أو مصابة أو مبتزة أو مقتولة..  

ده كمان يحسس الجانى إنه مش مسئول عن جريمته.. هو تم اغواءه.. وتم اغراؤه.. وماقدرش يمسك نفسه بسببها.. معذور.. 

هو هنا مش بس خرج من دور الجانى.. هو شايف نفسه.. وكتير غيره شايفينه إنه هو الضحية.. وكلنا شوفنا موجة التعاطف الخارجة عن حدود المعقول لواحد مجرم قام بقتل بنت شابة فى عرض الشارع، تحت دعوى "شوفوا كانت بتلبس إيه".. "شوفوا كانت بتعمل إيه"..

وطالما هى دايماً المستفزة.. وهى دايماً المثيرة.. وهى دايماً السبب.. يبقى تستاهل بقى..

ماينفعش نقول ان الحل هو فقط اننا نحاور أولادنا، ونعلمهم عن حدود جسمهم، ونعملهم توعية وثقافة جنسية، من غير ما نعمل بحث واستقصاء عملى على ما يعتقده ويصدقه الكبار والبالغون فيما يخص حدود الجسد.. حدود جسدهم، وحدود جسد الآخرين.. 

ولا ينفع نطالب بتغليظ العقوبات وتشديد القوانين، والعقول مليانة -وعمالة تتملى- بسموم فكرية فى منتهى الخطورة، لا علاقة لها من قريب أو بعيد بصحيح الدين وأصله..

ولا ينفع نزود اجراءات الحماية فى المدارس والنوادى وغيرها، من غير ما نعمل كل اللى نقدر عليه لحماية العقول من الفهم المغلوط، وحماية النفوس من النزعات المنحرفة.. 

علاج العرض.. لا يكفى..
علاج المرض أهم وأبقى..
وعلاج هذا المرض يبدأ من الداخل.. من داخلنا جميعاً..

وإلا..
فما حدث.. سيحدث.. ويحدث.. ويحدث..
د. محمد طه