بقلم الأب يسطس الأورشليمى
يقول يوسابيوس القيصرى في كتابه تاريخ الكنيسة: وحدث إنزعاج وتشتت الكثيرين هنا وهناك، محاولين النجاة من الخطر بأية طريقة من الطرق، وحدث إضطراب في كل مكان، وأية كلمات تكفي لوصف المحبة الإلهية، والجرأة اللتين أظهرهما في الإعتراف باللـه، الحمل الوديع الهادئ، أعني الشهيد ابيفانيوس،
 
الذي أظهر أمام أعين الجميع في أبواب قيصرية مثالاً عجيباً لتقوى اللـه الوحيد، لقد أتى هذا الشاب من باجي وهي مدينة هامة في ليسيا، وبعد عودته من دراسته في بريتوس لم يحتمل أن يعيش مع أبيه وأقربائه، رغم أن أباه كان يحتل أبرز مركز في وطنه، ولكنهم لم يرضوا أن يعيشوا وفق نواميس المسيحية، لهذا ترك أسرته سراً كأنه كان مقتاداً بالروح القدس، وبمقتضى فلسفة حقيقية روحانية طبيعية معتبراً هذا أفضل مما يعتبر أنه أمجاد العالم، ومحتقراً كل الملذات الجسدية، وإذ لم يعباً بحاجياته اليومية بسبب إيمانه ورجائه باللـه، قاده الروح القدس إلى مدينة قيصرية حيث قد أعد له إكليل الشهادة من أجل التقوى.
 
لم يكن في ذلك الوقت قد إكتمل العشرين من العمر، وكان قد صرف أولاً وقتاً طويلاً في بريتوس، للتزود من العلوم اليونانية العالمية، إذ كان ينتمي إلى أسرة غنية جداً، ومما يدهش أن نروي كيف أنه في مدينة كهذه تغّلب على الشهوات الشبابية وتمسك بأهداب الفضيلة ولم تدنسه القوة الجسدية ولا رفقاؤه الشبان، وقد عاش حياة العفة والفضيلة والطهارة والتقوى وفقاً للتعاليم المسيحية وحياة معلميه، وإن كان من الضروري ذكر بلاده، وتقديم الإكرام اللائق بها، لإنتاجها بطلاً عظيماً من أبطال التقوى كهذا، لنفعل هذا بسرور.
 
وإذ لبث هناك، يدرس في الأسفار الإلهية بكل اجتهاد فترة قصيرة، ومدرباً نفسه بكل غيرة، ختم حياته خاتمة تدهش كل من يراها لو أنها رؤيت مرة أخرى، ومن ذا الذي إن سمع عنها لا يعجب بحق شجاعته، وجرأته، وثباته، بل بالعمل الجرئ نفسه الذي برهن على غيرة متأججة نحو المسيحية روح فوق الطبيعة البشرية.
 
لأنه في الهجوم الثانى ضد المسيحيين في عهد مكسيمينوس، في السنة الثالثة من الإضطهاد، صدرت أوامر الطاغية للمرة الأولى، تأمر حكام المدن ببذل كل مجهود بأسرع ما يمكن ليدفعوا الشعب إلى الذبح للأوثان، وفي كل أرجاء مدينة قيصرية كان السعاة يستدعون الرجال والنساء والأطفال – بأوامر الوالي – إلى هياكل الأوثان، وعلاوة على هذا فقط كان رؤساء الألوف ينادون كل واحد باسمه من قوائم بأيديهم، وكان عدد وافر جداً من الأشرار يندفعون معاً من كل الأحياء.
 
عندئذٍ تقدم هذا الشاب بلا خوف، ودون أن يعلم أحد بنواياه، وغافل الذين يعيشون معه في البيت، كما غافل كل جماعة الجنود الذين كانوا يحيطون بالوالي، وأندفع إلى أوربانوس وهو يقدم السكائب، وأمسكه بيمينه دون أقل خوف، ومنعه في الحال من تقديم ذبيحته، وبمهارة وقوة إقناع وإرشاد إلهي قدم إليه النصح للعدول عن ضلالته لأنه ليس من اللائق أن يهجر الإله الواحد الوحيد ويذبح للأوثان والشياطين.
 
والمرجح أن الشاب فعل هذا بقوة إلهية دفعته إلى الأمام، وجعلت الجميع يصيحون، عقب عمله، بأن المسيحيين الذين كهذا الشاب لن يتركوا عبادة إله الكون الذي سبق أن اختاروها لأنفسهم، وأنهم ليسوا أرفع من التهديدات وما يتبعها من أهوال فحسب بل هم فوق ذلك في غاية الجرأة ليتكلموا بلسان لا يتلعثم، بل إن أمكن ليدعوا حتى مضطهديهم ليتحولوا عن جهالتهم، ويعترفوا بالإله الواحد الحقيقى.
 
وعلى أثر هذا مزقه الوالي في الحال ومن كانوا معه – وهذا ما كان منتظراً بعد عمل جرئ كهذا – ذلك الشخص الذي نتحدث عنه، كأنه قد مزقته وحوش كاسرة وإذ تحمّل ببساطة ضربات أليمة لا حصر لها على كل جسده زج به في السجن في الحال.
 
وهناك شد المعذبون قدميه في الدهق يوماً وليلة، وفي اليوم التالي أحضر أمام القاضي، وعندما حاولوا أن يضطروه إلى التسليم أظهر كل ثبات تحت الآلام والتعذيبات المروعة، فقد مزق جنباه لا مرة ولا مرتين بل مرات كثيرة، حتى ظهرت العظام، بل الأحشاء نفسها، ولطم كثيراً جداً على وجهه وعنقه حتى لم يستطع من عرفوه طويلاً أن يميزوا وجهه المنتفخ، ولكنه لم يستسلم تحت هذا التعذيب، فغطى المعذبون قدميه – حسب الأوامر الصادرة إليهم – بأقمشة كتانية مبللة بالزيت، وأشعلوا فيها النار، ولن تستطيع أية كلمات التعبير عن الآلام التي كابدها المغبوط من جرّاء هذا، لأن النار التهمت لحمه ووصلت إلى العظام، حتى أن سوائل الجسد ذابت وتساقطت كالشمع.
 
وإذ لم يستطع خصومه إخضاعه بهذا، ووجدوا أنفسهم بأنهم قد غلبوا على أمرهم، وعجزوا عن إدراك ثباته الذي فوق الطبيعة البشرية فطرحوه ثانية في السجن، ثم أحضر أمام القاضي للمرة الثالثة فإعترف نفس الإعتراف، وإذ كان على وشك أن يموت ألقي أخيراً في أعماق البحر.
 
على أن ما حدث عقب هذا مباشرة يتعذر جداً على من يروه تصديقه. مع أنه قد شهده جميع سكان قيصرية، لأنه لم يكن هنالك أحد  – من أي سن –  لم يشهد هذا المنظر العجيب.
 
لأنه طالما طرحوا هذا الشاب المبارك، المثلث الغبطة، في أعماق البحر حدث إضطراب غيرعادي وأهاج البحر وكل الشاطئ، حتى تزعزعت منه الأرض وكل المدينة، وفي نفس الوقف ثار البحر ثورة عجيبة فجائية، وقذف أمام أبواب المدينة جسد الشهيد الطاهر كانه لم يطق أن يحتويه، هكذا كان موت ابيفانيوس العجيب، الذي حدث في اليوم الخامس من أبريل، فكان اليوم يوم الإستعداد.