بقلم الأب يسطس الأورشليمى
الله يطلب إنسانًا لكي يصفح عن أورشليم. ُترى من هو هذا إلا ابن الإنسان، الله الكلمة، الذي صار بالحق إنسانًا لكي بدمه يكفر عن خطايا العالم كله؟! "إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار، هو كفارة لخطايانا، ليس لخطايانا فقط بل لخطايا كل العالم أيضًا" (1 يو 2: 1-2).

يرى العلامة أوريجينوس أن الابن هو قوة الآب، كقول الرسول بولس (1 كو 1: 18)، وهو حكمة الله ومجده. فالمرتل يشتهي أن يرى المسيح وتدبير تجسده. 

      كما أن الأرض البرية تعطش إلى الماء، هكذا أشتهي أنا إلى المجيء إلى أورشليم حيث مظلة قدسك. من يشفق عليك إلا السيد المسيح مخلصك، وكما يقول الرسول: "من هو الذي يدين؟ المسيح هو الذي مات، بل بالأحرى قام أيضًا، الذي هو أيضًا عن يمين الله الذي أيضًا يشفع فينا" (رو 8: 34). إن التقيت معه الآن بالتوبة تشفق على نفسك. لا تتنظر أبًا أو أمًا أو أخًا أو صديقًا يهتم بخلاصك، بل التقِ به، لأن نفسك ثمينة في عينيه، أعظم من كل العالم! من يعزيك ويهبك السلام الداخلي إلا الروح القدس المعزى، يبكتك على خطية ويقدم لك الغفران، يصالحك مع الآب في استحقاقات دم المسيح!

يعلق العلامة أوريجينوس على هذه العبارة قائلاً: [نريد أن نفهم جميع تلك الكلمات المملوءة وعيدًا لأورشليم: "فمن يشفق عليك يا أورشليم؟! ومن يعزِّيك؟! ومن يميل ليسأل عن سلامتك؟! أنتِ تركتِني يقول الرب. إلى الوراء سرتِ، فأمد يدي عليكِ، وأهلككِ. مللتُ من الندامةِ. وأذريهم بمذراة في أبواب الأرض. أثكل وأبيد شعبي".

لقد وَضَعَتْني هذه الكلمات في مأزق، وهو محاولة التوفيق بين صلاح الله ورفضه الرحمة لشعبه.

يقول العلامة أوريجينوس: ["أنتِ تركتِني يقول الرب، إلى الوراء سِرتِ".

لأن مدينة أورشليم - التي تجعلنا نتذكر كل اليهود - تركت الرب، فقد قيل لها: "إلى الوراء سرتِ".

كان هناك وقت فيه سارت أورشليم إلى الأمام وليس إلى الخلف، أما حاليًا فهي تسير إلى الوراء: "ورجعوا بقلوبهم إلى مصر" اع 7 :39. أما بالنسبة لمعنى السير إلى الوراء أو الامتداد إلى ما هو قدام

كلمات الرثاء "ويل لي" ما هي إلا لإنسان يبكى، وقد بكى المخلص على أورشليم... قائلاً: "يا أورشليم يا أورشليم... الخ."

فيه "جاء (إبليس) به إلى أورشليم"، الأمر الذي يبدو غير مُصدق أن إبليس يقود ابن الله، وهو يتبعه؛ فإنه يشبه المصارع الذي يذهب إلى التجربة ولا يخشاها، ولا يرهب مصيدة العدو المخادع للغاية وغير المحتملة، وكأنه يقول: ستجدني أقوى منك.

قاده إلى قمَّة الهيكل وطلب منه أن يطرح نفسه من فوق، وكان هذا العرض تحت ستار أنه يتم لمجد الله...

يتكلَّم الشيطان ويستند على الكتاب المقدَّس... لكن ليته لا يخدعني الشيطان حتى وإن استخدم الكتاب المقدَّس...

يقول القدِّيس كيرلس الكبير: كان قلبهم ملتهبًا بنار الحسد... لم يريدوه أن يسكن في أورشليم حتى لا يفيد الشعب، الذي اندهش بعجائبه الإلهيَّة من ناحيَّة، ومن ناحيَّة أخرى أشرق عليهم بنور رؤية الله الدقيقة خلال تعليمه للحقائق التي تفوق ما جاء في الناموس...

لقد قاوموه بطرق مختلفة؛ تارة باستخفافهم وسخريتهم بسلطانه في عمل العجائب، وتجاسرهم علي اتهامه أن ما يفعله إنما ببعلزبول؛ وتارة بدفعه لتسليمه لأتباع قيصر تحت الاتهام أنه يمنع الإسرائيليين من دفع الجزية لقيصر (لو 20: 22).

يقول القديس باسيليوس الكبير: [يليق بنا حتى إن أوكل إلينا أقل الأعمال أن نمارسه بغيرةٍ عظيمةٍ وحبٍ، عالمين أن ما يُصنع بالله ليس تافهًا، بل يقابله ملكوت السماوات [

ها أنت قد برئت فلا تخطئ أيضًا لئلا يكون لك أشر". 

القديس أغسطينوس إذ شعر الرجل بحنو الله عليه ذهب إلى الهيكل ربما ليقدم الشكر لله على شفائه. وكأنه يترنم قائلاً: "لله أذبح ذبيحة حمد، وباسم الرب أدعو، أوفي نذوري للرب مقابل شعبه، في ديار بيت الرب في وسطك يا أورشليم" (مز ١١٦: ١٦–١٩). غالبًا ما حدث هذا في نفس يوم شفائه.

لقد رأى السيد المسيح إثمًا واضطرابًا في مدينة أورشليم، إذ أسلموه ظلمًا للمحاكمة، وقد حدث شقاق، لأن قومًا كانوا يقولون إنه ليس من الله، لأنه لا يحفظ السبت، وآخرون قالوا: كيف يقدر رجل خاطي أن يصنع مثل هذه الآيات؟! وقد أحاط الإثم أسوارها ليلاً ونهارًا، إذ بدأ القادة في محاكمته ظلمًا في الليل، واستمرت حتى الصباح، وفي النهار تم الصلب. الذين كان يجب أن يكونوا أسوارًا تحفظ الإيمان، وتعلن عن النبوات الخاصة به، اتسموا بالإثم. استخدموا المال والخداع في صلبه، فقبل يهوذا الثلاثين من الفضة ثمنًا للبار. 

هذه هي صورة المدينة الأثيمة التي سلمت سيدها، التي يطلب المرتل أن يهلكها ويفرِّق ألسنتها! أما أنت أيها العزيز، فقد صرت مدينة الله التي تعرف البرّ. فقد قبلت ملك الملوك ابن داود في داخلك، تعرف كيف تتكلم بلغة الروح التي يفهمها السمائيون، ويتجاوب معها كل المؤمنين في كل المسكونة، ويكون الرب نفسه سورها الناري، ومجدها الداخلي، لا تعرف محبة المال، بل العطاء والبذل مع الإخلاص والحق!

العبارة: "تعرفونني وتعرفون من أين أنا" (يو ٧: ٢٨) خاصة بشخصه كإنسانٍ، أما العبارة "لستم تعرفونني أنا ولا أبي"  فخاصة بلاهوته... فمن الواضح أن كلمات القوم الذين من أهل أورشليم: "هذا نعلم من أين هو" (يو ٧: ٢٧) تشير إلى حقيقة أنه وُلد في بيت لحم (مت ٢: ١). وقد عرفوا أنه ذاك الذي أمه تُدعى مريم وأن إخوته (أبناء خالته) هم يعقوب ويوحنا وسمعان ويهوذا (مت ١٣: ٥٥). لهذا شهد للقائلين: "هذا نعلم من أين هو" قائلاً: "تعرفونني وتعرفون من أين أنا" يو 7 : 28. لكنه حينما تحدث مع الفريسيين قال: "وإن كنت أشهد لنفسي فشهادتي حق، لأني أعلم من أين أتيت وإلى أين أذهب"، إذ كان يتحدث عن طبيعته الإلهية، كشخص يتحدث عن الأساس الذي به هو بكر الخليقة (كو ١: ١٥)