بقلم الأب يسطس الأورشليمى
"اذكر لي يا إلهي للخير ما عملت لهذا الشعب" (نح 5: 19). كما نسمع كلماته: "هلم فنبني سور أورشليم، ولا نكون بعد عارًا" (نح 2: 17). ماذا يعني سور أورشليم بالنسبة لنا؟ وماذا يقول آباء الكنيسة عن السور؟
أورشليم العروس المحبوبة (إش 62: 5–6) حينما يتحدث الرب عن أورشليم يقول: "كفرح العريس بالعروس يفرح بكِ إلهكِ. على أسواركِ يا أورشليم أقمت حراسًا، لا يسكتون كل النهار وكل الليل على الدوام" (إش 62: 5–6).
الحديث هنا عن أورشليم الجديدة أو الكنيسة عروس المسيح، أما الحراس الذين يقيمهم العريس السماوي، فكما يقول يوسابيوس القيصرى هم الملائكة والقوات السماوية المقدسة. ويرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنهم قادة الكنيسة أو كهنتها.
أما القديس كيرلس الكبير فيرى في هؤلاء الحراس لأسوار الكنيسة معلمي الأسرار الإلهية الذين لا يتوقفون عن العمل لمجد الرب وعجائبه الفائقة.
بنو الغريب يبنون أسوارك (إش 60: 10) إن كانت أورشليم تشير إلى الكنيسة الله في العهد الجديد، فمن هم بنو الغريب الذين ينبون أسوارها؟ لقد جاء السيد المسيح إلى خاصته اليهود، وخاصته لم تقبله، أما الأمم الغرباء، فقد صاروا شهودًا وكارزين بالحق الإنجيلي. وكما يقول الرسول بولس: "فلستم إذًا بعد غرباء ونزلاء، بل رعية مع القديسين وأهل بيت الله" (أف 2: 19).
يرى يوسابيوس أسقف قيصرية: الذي كتب عن قسطنطين الكبير ممتدحًا إياه على خدمته للكنيسة، أن الغرباء هنا هم الأباطرة الرومان وقادة الجيش والأمراء الذين ساهموا في بناء أسوار الكنيسة.
ويرى القديس كيرلس الكبير أن أسوار الكنيسة هي الإيمان المستقيم، وقد قام الرسل ببناء الأسوار بالكرازة بهذا الإيمان دون أن يُنسبوا إلى دم جنس اليهود، بل صاروا كغرباء عنهم.
ويرى ثيؤدور أن الغرباء هنا هم المعلمون الذين جاءوا من أمم غريبة عن إسرائيل وقاموا بحراسة الأسوار بصلواتهم وتعاليمهم.
صورت أسوارك على يدي (إش 49: 16)
جاءت الترجمة السبعينية: "أصور (أرسم) أسوارك على يدي. أنتِ أمامي دائمًا" (إش 49: 16).
يرى القديس كيرلس الكبير: أن الأسوار المنقوشة أو المرسومة على يدي الله هم الرسل القديسون والإنجيليون.
أما ثيؤدور الذي يأخذ بالتفسير التاريخي، فيرى أن النبي يتحدث عن خراب أسوار صهيون على أيدي البابليين وأن الله ينبؤهم بإعادة بنائها، وأن هذا الأمر يشغله بنفسه كما لو كان المهندس المسئول عن أقامة أسوارها المُحكمة.
ويرى يوسابيوس القيصري أن الأمر يخص بناء صهيون الحقيقية في نفوس البشر وبنيان الكنيسة.
ويرى القديس أمبروسيوس أن هذه الأسوار هي التشبه بالله وحمل صورته بالفضائل فينا.
لنهرب من هذه الشرور، ونرفع نفوسنا إلى صورة الله ومثاله. الهروب من الشرور هو التشبه بالله، وصورة الله تقتنى بالفضائل. هكذا مثل المصوّر يصورنا بألوان الفضائل.
"انظرى لقد صورت أسواركِ يا أورشليم" (إش 49: 16). ليتنا لا نزيلها بفرشة الإهمال، دعامات الأسوار المصّورة التي لنفوسنا.
وهكذا: "لقد صورت الأسوار" وبهذا أستطيع أم أطرد العدو. للنفس أسوارها، بها تثبت، وعنها قيل: "أنا مدينة قوية، مدينة محاصرة". بهذه الأسوار تُحرس المدينة، وبها تُحمى بالحصار.
بالحق النفس هي سور، يمتد حول المحلة. لذلك تقول العروس في نشيد سليمان: "أنا سور، وثدياي كبرجين" (نش 8: 10).
السور الذي يصوره (يرسمه) الرب صالح، إذ يقول: "أصور أسوارك على يدي، أنت أمامي دائمًا" (إش 49: 16).
القديس أمبروسيوس: يُقال في نشيد الأناشيد: "أنا سور، وثدياي كبرجين" (نش 8: 10). السور هو الكنيسة، والبرجان هما كهنتها الذين لديهم كمال القوة لتعليم العلوم الطبيعية والأخلاقية.
إني أعطيهم في بيتي وفي أسواري مكانًا مكرمًا (إش 56: 5)
"إني أعطيهم في بيتي وفي أسواري نُصبًا (مكانًا مكرمًا)، واسما أفضل من البنين والبنات، أعطيهم أسمًا أبديًا لا ينقطع" (إش 56: 5).
يرى القديس أغسطينوس: أن هذا الاسم الأبدي الذي يعطيه لهم في بيته وأسواره إنما هو العبور بهم من ظلال الزمن القديم إلى أنوار الأبدية.
المسيح سور أورشليمنا
يقول Venecundus :[إن كنا نحول وجهنا إلى الحائط عندما نُضرب بالخوف من الموت، أي نوجه بصيرة قلوبنا نحو المخلص الذي يصّور هنا بالسور، فإننا نخلص. إذ هو يخلص المؤمنين الذين يسكنون فيه من هجمات كثيرة. يقول إشعياء: "لنا مدينة قوية. يجعل الخلاص أسوارًا ومترسه" (إش 26: 1). انظروا، فإن المخلص يدعى سورًا.]
هذا التفسير يتناغم مع قول الرب: "وأنا يقول الرب أكون سور نار من حولها" (زك 2: 5).
سور أورشليم العليا
يقول القديس يوحنا الحبيب: "والذي كان يتكلم معي، كان معه قصبة من ذهب، لكي يقيس المدينة وأبوابها وأسوارها... وقاس سورها مئة وأربعة وأربعين ذراع إنسان، أي الملاك"" (رؤ 21: 15، 17).
أبناء الملكوت معروفون ومقاسون من قبل الله ومحفوظون لديه. أما وحدة القياس فهي قصبة من ذهب أي سماوية، لأن الأمور الروحية والسماوية لا تقاس إلا بما هو روحي سماوي. يشير رقم 144 إلى الكنيسة الجامعة (كنيسة العهد القديم 12× كنيسة العهد الجديد 12) التي هي مسورة بسور واحد لتنعم بإله واحد. أما الذي قاس فهو ملاك لا إنسان أرضي، حتى لا نتخيل في السماء ماديات وأرضيات. إنها مسورة بالله ذاته حافظها، وهي من ذهب نقي شبه زجاج نقي، أي سمائية طاهرة.
أسوار الأعداء
قيل عن هذه الأسوار: "بالإيمان سقطت أسوار أريحا بعدما طيف حولها سبعة أيام" (عب 11: 30).
"فيخربون أسوار صور، ويهدمون أبراجها، واسحي ترابها عنها، وأصيرها ضح الصخر (حز 26: 4).
"على أسوار بابل ارفعوا الراية، شددوا الحراسة، أقيموا الحراس، اعدوا الكمين، لأن الرب قد قصد، وأيضًا فعل ما تكلم به على سكان بابل (إر 51: 12). كما قيل: "بإلهي أثب السور" (مز 18: 29 ).
مكتوب: "بإلهي أثب السور" (مز 18: 29)، سور الشر الذي يفرق الإخوة ويثير الانقسامات بينهم، ويحيد بهم عن الحق.
لقد عرف (المرتل) أن قوة المؤمنين تكمن في تقديم الشكر لله، إذ بفرحهم يقفزون فوق أسوار الأعداء، وذلك مثل القديسين القائلين: "...بإلهي أثب السور". البابا أثناسيوس الرسولي





