بقلم الأب يسطس الأورشليمى
كما أن السحابة خفيفة لأن ليس لها ارتباطات أرضية، وكُل ما الإنسان يرتبط بالمادة والأرضيات، كُل ما يصبح ثقيلاً، ونحنُ نُريد أن نرتفع بفكرنا إلى أعلى عن الأرضِ، والعالم الفاني الذي في الشرّير، ونقُول مع أيُوب الصدّيق: عُرياناً خرجت من بطن أميّ وعُرياناً أعُود إلى هُناك الرّب أعطى، والرّب أخذ فليكُن اسم الرّب مُباركاً (أي21:1)..
ولنتعلّم من أبينا إبراهيم رجُل الإيمان الذي كان ينتظر المدينة التي لها الأساسات، التي صانعُها وبارئُها الله (مت36:1؛ عب10:11)..
المفرُوض أن تبقي في قلبك محبة الله الأولى، وهُو الترمُومتر والمُؤشر الذي يُظهر أن فلان لا يخاف المُوت، لأنه لا يُفصله عن الله، والمحبّة تطرح الخُوف خارجاً، ونحنُ نُحُبه لأنه هُو أحبّنا أولاً، ويقُول مع بُولس الرسُول: مَن سيفصلُنا عن محبّة المسيح؟ أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جُوع أم عُري أم خطر أم سيف؟ إننا من أجلك نُمات كُل النّهار، قد حُسبنا مثل غنم للذبح ولكننا في هذه جميعها يعظُم انتصارُنا بالذي أحبنا، لأننا إن عشنا فللرّب نعيش، وإن مُتنا فللرّب نمُوت، فإن عشنا وإن مُتنا فللرّب نحنُ، أنظر وتأمل في الكتاب (رو35:8-37؛ 8:14؛ 1يو18:4)..
هل عندك الاستعداد أن تُضحي بابنك، وحيدك، حبيبك إسحق الذي تحبه (الخطية الفلانية) على مذبح الله المُقدس، كما فعل إبراهيم؟!
والمُؤمن يُشبه بالسحابة البيضاء النقية التي تعيش في العلاء، وفي القُداس الإلهي يسأل الكاهن: أين هي قلُوبكم ؟!
هُناك أُناس لم يرتفع فكرهُم عند السّحاب، أو عند الطيُور، أو النجُوم أنظر إلى فُوق حيث الخالق الذي هُو أبرع جمالاً من بني البشر، وتمسّك بالرّب وافرح به، ولا تخف أبداً من المُوت، فأنت في الجسد مُقيد ومسجُون به، لكن عندما ينكسرّ رباط الجسد، ستتحررّ من سجنك، فإن حرّركُم الابن فبالحقيقة تكُونُون أحراراً، أنظر الكتاب (يو36:8)..
أنتُم الآن تطيرُون تسبحُون وتنشدُون نشيد النُصرة بالرّب يسُوع..
حقاً لنكن كالسحابة النقية البيضاء الخفيفة المُقدسة، لأن بدُون القداسة لن يرى أحد الرّب (عب14:12)، ونقُول مع إشعياء النبيّ بفرح وتهليل: مَن هُؤلاء الطاّئرُون كسحاب وكالحمام إلى بيوتها ؟! لأن الأرض ليس مسكننا بل السماء هي مسكننا الحقيقي، نكُون سحابة خفيفة مرتبطة بالسماء، وليس لها أي جاذبية نحُو الشهُوات الأرضية وملذات العالم..
بل هي مُنطلقة مع السيد المسيح (في23:1)، لذلك لا نفشل، بل وإن كان إنسانُنا الخارج يفنى، فالدّاخل يتجدّد يُوماً فيُوماً، لأن خفة ضيقتنا الوقتية تُنشيء لنا أكثر فأكثر ثقل مجدٍ أبدياً، ونحنُ غير ناظرين إلى الأشياء التي تُرى، بل إلى التي لا تُرى، لأن التي تُرى وقتية، وأما التي لا تُرى فأبديّة أنظر الكتاب المُقدس (2كو16:4-18؛ عب14:13)..
فُواضح من كُل هذه الأمُور التي تُحيط بنا، أنها تتغييّر وتفنى، فالشمس حينما تشرق وتغرب تُشير إلى الزُوال، وكما أشرقت شمس حياتك فلابد أن تغرب في يُوم ما، والفلاح حينما يخرج ليزرع ويجمع ويحصد، هكذا نجمع ونحصد، ومراحل حياة الإنسان، حيث الطفُولة والصبُوة والشباب والرجُولة ثم الشيخُوخة والكهُولة، والله يُريد من الإنسان أن يرتبط ويفكر فيه، ويقُول: به نحيا ونتحرّك ونُوجد (أع28:17)، فإذا كُنا سنسافر إلى المدينة العتيدة فما هُو المطلُوب منا ؟! هناك أربعة خطُوات وهي:
(1) التأشيرة.. (2) ثمن التذكرة.. (3) تعلم اللغة.. (4) الحرفة..
أولاً: يحصُل المُسافر على التأشيرة، أو الباسبُور وهُو الإيمان القلبي أي الإيمان العامل بالمحبّة (غل6:5)، وليس الإيمان النظري الاسمي، هل من أجل المال تجري، ومن أجل الله تتراخى؟ مَن يجذبك أكثر، هل وصية الله أم صُوت رنين الذهب؟! هل تسعى للشبع بالله أم تسعى وراء البطن؟!
ثانياً: ثمن التذكرة وهي الأعمال، لأن الإيمان بدُون أعمالٍ ميت، مثل القطار الذي يسير على قضيبين متُوازيين، فإيمانك يكُون مُوازي لأعمالك لأن إذا أنحرف أحد القضيبين، أنقلب قطار حياتك، فإيمانك هُو الذي يُعين سفرك، وأعمالك هي التي تدفع لك ثمن التذكرة..
ثالثاً: تتّعلم لغة البلد التي تذهب إليها، وكُلنا مُشتاقين أن نعيش مع الله هل تعلمت لغة السماء، حيث الطهارة والعطاء والمحبّة والتُواضع؟ والرّب يشرق شمسهُ على الأشرار والأبرار، باركُوا ولا تلعنُوا، ولا تُجازُوا أحداً عن شرّ بشرّ، لا يغلبنّك الشرّ بل اغلب الشرّ بالخير (رو14:13)..
رابعاً: الصناعة، أو الحرفة التي تتعلمها، تسبيح الملائكة وهُو عملهُم في السماء، فإذا مارست هذه الخطُوات، الإيمان والأعمال والمحّبة والتسبيح في حياتك على الأرضِ، تصبح حقاً بدأت تستعد للسفر، والرحيل إلى المدينة الجديدة أورُشليم السماُوية، المدينة التي لها الأساسات، التي صانعها وبارئُها الله، ونقُول مع بُولس الرسُول: قد جاهدت الجهاد الحسن، أكملت السّعي، حفظت الإيمان، وأخيراً قد وُضع لي إكليل البرّ الذي يهبه لي في ذلك اليُوم، الرّب الديّان العادل، أنظر (2تي7:4؛ عب10:11)..
يقُول الُوحي الإلهي في سفر أيُوب: أيامي أسرع من الُوشيعة وتنتهي بغير رجاءٍ (أي6:7)، وقد أخذ أيُوب هذا التعبير، وقاله عن نفسه، فالوشيعة عبارة عن المكُوك الذي يُلف عليه الخيط في النُول، والمكُوك يتحرك يمين وشمال، والزمن وضُع للمادة، أما الأبدية فلا يُوجد بها زمن، والزمن بدأ في اليُوم الرابع (تك14:1-19)، وقد قُسم الزمن لصالح الإنسان، فإذا ضاعت منك اللحظة الأولى تجد اللحظة، الثانية، والثالثة، وهكذا..
جميل جداً أن يُقسم لنا الرّب الزمن لساعات، وأيام، وشهُور، وسنين، وأنت في رحلة العمر، والعمر يجري وأنت لا تدري، ولا تعلم متى ينتهي؟! هل بعد ساعات، أو أيام، أو شهُور، أو سنين؟! لا أحد يعرف الساعة، لذلك قال الرّب: فاسهرُوا إذاً لأنكُم لا تعرفُون اليُوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان (مت13:25، 21)، حتى نسمع الصُوت القائل:
نعمّا أيها العبد الصّالح والأمين، كُنت أميناً في القليل فأقيمُك على الكثير، اُدخُل إلى فرح سيّدك، مُفتدين الُوقت لأن الأيام شرّيرة، لأنه حيث يكُون كنزُكم هُناك يكُون قلبكُم أيضاً، لتكن أحقاؤكُم مُمنطقةً وسُرجُكُم مُوقدةً، فكُونُوا أنتُم إذاً مُستعدّين، لأنه في ساعةٍ لا تظُنون يأتي ابن الإنسان..
هل فكرت أن يكُون لك مكاناً في السماء ؟ كيف ستعيش وتتقابل مع الله في ملكُوته؟ وماذا أنت فاعل في ساعة انتقالك؟ هل أعدّدت نفسك ؟!
قد يقُول قائل: لا داعي للتشاؤم، المُوت يأتي لأن أجرة الخطية مُوت، فهو حُكم على الجميع، فلماذا تهرب منه وتُضيّع عمرك بلا رجاء؟!
كم مضى من عمرك الآن ؟! عندما تتأمل، وتنظر في الماضي، تجده مضى بسرعة، وأي خبر بمجرد ما انتهى أصبح ماضياً، وكان فعل ماضي ناقص، وكُل أعمالي الماضية ناقصة، متى تصل إلى العمل الكامل المتكامل في الله؟ ومتى تُسلّم له حياتك بالكامل ؟! العالم يضحك عليك بالنهار بالمشغُولية، وباللّيل بالسهرات، افتدي الُوقت لأن الأيام شرّيرة، أنها ساعة الآن لنستيقظ من النُوم، قد تناهى الليل وتقارب النهار، فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النُور، أنظر (رو11:13-14؛ أف14:5)..





